العدالة الانتقالية وحماية الشعوب
03 كانون الأول 2025
06:34
Article Content
الانتهاكات التي تحصل بمناسبة الأحداث الأليمة التي تجرى في بعض الدول أو المناطق، قاسية جداً، وهي تُدمي البشرية بمشاهد فيها تجاوز لكل حدود الحقوق البديهية للإنسان، ويدفع الأبرياء الثمن الأغلى من حياتهم ومن ممتلكاتهم ومن كرامتهم الإنسانية، بينما النساء يتعرَّضنَ لتجاوزات غير مقبولة على الإطلاق، والأطفال يعيشون ذلاً وهواناً لا يطاق.
أكثر من مئة شخصية من المفكرين والأكاديميين والفنانين والسينمائيين والشعراء اجتمعوا في مدينة الناظور المغربية بين 15 و17 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، وأطلقوا «إعلان الناظور للعدالة الانتقالية والسلام»، تضمَّن 10 مبادئ تعالج الاختلالات الكبيرة التي تحصل بمناسبة التغييرات التي تجرى في الدول - أو في بعض أقاليمها - بواسطة الحروب الشنيعة، أو بانقلابات غير دستورية، أو من خلال الأُطر المعتمدة، لأن المراحل الانتقالية تشهد انتهاكات هائلة ضد الإنسانية، وغالباً لا تمرُّ بسلام.
وخلال جلسات النقاش قبل صدور الإعلان، سلَّط المتحدثون المختصُّون الضوء على ما جرى في قطاع غزَّة مؤخراً، حيث فاقت ارتكابات الآلة العسكرية الإسرائيلية كل تصوُّر، وتعرَّض شعب بكامله لحرب إبادة، وتجاوز عدد الضحايا 70 ألف ضحية و200 ألف مُصاب، بينما المنازل والمؤسسات على اختلافها سوُيت بالأرض، ولا يَعرف أغلبية مَنْ تبقى على قيد الحياة من الفلسطينيين مصيرهم حتى الآن، والعملية الانتقالية غامضة، رغم صدور قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 الذي وافق على خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لإدارة مستقبل القطاع.
كما عرض المتحدثون في المنتدى لتجارب انتقالية حصلت في إيرلندا الشمالية وفي كولومبيا وفي لبنان والعراق وسوريا وفي المغرب وغيرها من الدول، منها تجارب ناجحة حفظت بعض الحقوق للناس وللمتخاصمين وحققت مصالحات وازنة بين المكونات المجتمعية المتقابلة، ومنها تجارب فاشلة أنتجت مآسي وويلات، ما زالت ماثلة حتى اليوم، إضافة لما يحصل في السودان، وخصوصاً الارتكابات الفظيعة في منطقة دارفور.
لا يمكن الخوض في كل تجارب الانتهاكات التي حصلت إبان المراحل الانتقالية، وهي متنوعة وليست على سياقٍ واحد، ولكل حالة خصوصيات تختلف عن الأخرى، ولكن المؤكد أن الحاجة مُلحة لتوفير ظروف مناسبة لتحقيق عدالة انتقالية في أي من الوضعيات التي قد تحصل، ويجب أن تستند إلى احترام القيم البشرية، ومبادئ حقوق الإنسان، ومُحددات القانون الدولي الإنساني، لا سيما ما ورد في اتفاقيات جنيف الأربع للعام 1949، كذلك اعتبار معايير العهود الدولية للعام 1966 وملحقاتها، لناحية حفظ الملكيات الخاصة والعامة والآثار ومراكز العبادة والمستشفيات والمدارس والجامعات، أساساً لأي عملية انتقال من حالة الحرب إلى حالة السلام.
مبادئ العدالة الانتقالية التي أشهرها «إعلان الناظور – المغرب» أكدت ثوابت لا بد من احترامها خلال الأزمات السياسية وفي الحروب أو عند نهايتها، وأهمها:
- إجراء المصالحات واللقاءات بين المتنازعين، أو بين المجموعات المتنافرة.
- تنفيذ المساءلة عن طريق محاكمات موثوقة لمحاسبة المرتكبين وفقاً للقوانين، وليس عن طريق الانتقام السياسي أو العرقي أو الطائفي.
- التعويض عن الضحايا والأضرار التي لحقت بالمواطنين في ممتلكاتهم أو في مصدر عيشهم، ومساعدتهم على تجاوز المِحن التي مرُّوا بها، لا سيما من خلال مساعدتهم للعودة إلى أماكن سكنهم الأصلية وعلى إعادة بناء منازلهم المهدمة.
- إطلاق ورشة تشريعية تؤدي إلى إصلاح القوانين أو إنتاج الجديد المناسب منها، وإصدار العفو عن بعض الأعمال التي جرت انطلاقاً من حق الدفاع المشروع عن النفس، من دون أن يشمل العفو عمليات القتل والاغتصاب المؤلمة التي حصلت عن سابق تصميم، وبدوافع الانتقام أو السرقة أو الاغتصاب.
- حفظ حق العودة للمهجرين إلى ممتلكاتهم، من دون أن ينطبق عليهم التقادُم أو مرور الزمن.
إن ويلات الحروب ومآسي الاعتداءات فاقت كل تصوُّر، ولا بد للمجتمع الدولي من تقييد نتائجها المؤلمة عن طريق احترام المعايير الإنسانية، ومن خلال تطبيق الإجراءات القانونية ذات الصلة.
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






