لبنان بين نور الأعياد وظلام التهديدات
السياحة في امتحان القلق والاقتصاد على حافة الانتظار
01 كانون الأول 2025
04:05
Article Content
مع اقتراب موعد الأعياد المجيدة، يستعد لبنان تقليدياً لاستقبال موسم سياحي يعتبر شرياناً اقتصادياً وحضارياً، هذا الشهر بالنسبة لتجار التجزئة تحديداً اهم اشهر السنة، اذ يشكل 30% من مجمل مبيعاتهم خلال العام. لكن هذا العام يأتي بطعم آخر، إذ يتزامن مع تصاعد التهديدات الاسرائيلية واستمرار التوترات على الحدود الجنوبية، ما يضع قطاع السياحة امام تحد وجودي ويزيد من هشاشة الاقتصاد الوطني. فكيف ينعكس هذا الواقع على مواسم الأعياد؟ وما هي توقعات الحركة السياحية؟ وهل يمكن إنقاذ ما تبقى من هذا الموسم؟
بعد انتعاش نسبي للقطاع السياحي في العام 2023 حيث استقبل لبنان ما يفوق المليون وستمائة الف سائحاً بإرتفاع 13.7% مقارنة بالعام السابق، عاد الاتجاه الى الانحدار بفعل التوترات الامنية. فقد بلغ عدد الوافدين في 2024 نحو مليون ومئة الف سائح فقط، اي انخفاضاً حاداً بنسبة 32% مقارنة بالعام 2023. وانعكس هذا التراجع على الاشهر الاساسية، حيث لم يتجاوز عدد الزوار في تشرين الأول 2024 حاجز 13916 زائراَ مقابل 102690 في الشهر نفسه من 2023. وتكشف هذه الارقام حجم الضربة التي تلقاها قطاع كان يشكل بارقة امل في السنوات الأخيرة رغم الازمة المالية الخانقة وذلك خلال ما عرف بحرب الإسناد.
أهمية السياحة في دعم الاقتصاد اللبناني
لا يمكن فصل تأثير التراجع السياحي عن المشهد الاقتصادي العام. فوفق تقديرات مجلس السياحة والسفر العالمي:
- ساهم القطاع بنسبة 19.8% من الناتج المحلي الإجمالي اللبناني في العام 2024
- بلغت ايراداته نحو 716.3 تريليون ليرة لبنانية في العام 2024
- يشغل القطاع 315 الف وظيفة، أي ما يقارب 19.6% من القوى العاملة.
بالتالي، كل تراجع في السياحة ليس مجرد انخفاض في عدد الزوار، بل يعني خسارة مباشرة في الوظائف، النشاط التجاري، والقدرة على تأمين العملة الصعبة وتحسين وضعية ميزان المدفوعات.
يعتبر موسم الأعياد هذا العام في ظل التهديدات حركة مرتبكة وثقة مفقودة، حيث يؤثر الوضع الامني مباشرةً في قرار السياحة والسفر، خصوصاً في موسم يعتمد عادةً على اللبنانيين المغتربين.
ويمكن تلخيص المشهد في النقاط التالية:
- انخفاض الحجوزات الفندقية بشكل غير مسبوق، تشير تقارير الفنادق الى تراجع الاشغال الى مستويات متدنية جداً.
- تخوف دولي وتحذيرات سفر، التخوف من تصعيد أمني كبير دفع بعض الدول لإصدار توصيات لمواطنيها بعدم زيارة لبنان، ما ضاعف من حالة التردد.
- تقلص انفاق الداخل، حتى اللبنانيون المقيمون يعانون من تآكل القدرة الشرائية بفعل التضخم الذي ناهز 16% لهذا العام 2025، ما يقلل من النشاط الاستهلاكي خلال العيد.
- تأثير مضاعف على سلاسل اقتصادية كاملة، من النقل الى المطاعم، ومن المتاجر الى الخدمات، كل القطاعات التي تعتمد على موسم الأعياد باتت مهددة بخسائر كبيرة. وتقدر عائدات موسم الاعياد المجيدة أكثر من مليار دولار ما يعني أن الخسائر المحتملة في حال تردي الوضع الأمني قبيل الموسم ستفوق ذلك بكثير.
رغم قتامة المشهد، إلا انه يمكن التخفيف من حدة الازمة بالاسراع بتطبيق خطاب القسم الذي اعلنه فخامة رئيس الجمهورية في التاسع من كانون الاول 2025، وبدقائق تطبيق البيان الوزاري لحكومة القاضي الدكتور نواف سلام، لا سيما البند المتعلق ببسط سلطة الدولة وسيادتها على كامل الأراضي اللبنانية والبند المتعلق بحصرية السلاح بيد الجيش اللبناني والقوى المسلحة اللبنانية فقط لا غير، تطبيق ما سبق يعزز الامن والاستقرار ويدفع إلى إنقاذ موسم الأعياد وتحسينه ورفع انتاجيته اذا طبقنا بعض السياسات والاجراءات العملية التالية:
- تعزيز الأمن السياحي والطمأنة الاعلامية، من خلال نشر تقارير يومية حول الاوضاع في المناطق الامنة، تكثيف انتشار القوى الامنية في المناطق الحيوية.
- اطلاق عروض خاصة للمغتربين، تقديم تخفيضات على الفنادق والطيران، اعداد عروض اعياد تشمل اقامة ونقل وأنشطة.
- دعم السياحة الداخلية، تشجيع المواطنين على قضاء العطلة داخل لبنان، اطلاق اسواق ميلادية في المناطق الكبرى.
- اطلاق منصة رقمية موحدة للأعياد لتسهيل اتخاذ قرار السفر وتشجيع الزوار، تجمع: المناطق الامنة، اسعار العروض، خيارات النقل والحجوزات، النشاطات الثقافية والفنية المرتبطة بالاعياد.
يستقبل لبنان الأعياد هذا العام وهو يسير على خيط رفيع بين الطمأنينة والاضطراب. فالمواطنون والمغتربون والسياح جميعاً لا يريدون أن يطفىء الخوف نور العيد، لكن الواقع الأمني يفرض ضغوطاً غير مسبوقة. ومع ذلك يمكن للبنان إذا أحسن إدارة اللحظة أن يحول زيارة البابا لاوون وموسم الأعياد من فرصة ضائعة أو لحظة توتر، إلى نافذة أمل تساهم في تنشيط الاقتصاد واعادة بناء الثقة.
فالبلد الذي يعرف كيف يحتفل رغم الأزمات، لا يزال قادراً على إعادة الحياة إلى شوارعه، شرط توفير الأمان.
(*) عضو هيئة مكتب المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






