البابا على أبواب لبنان.. والأخير على قارعة الحرب
30 تشرين الثاني 2025
11:27
Article Content
يخرق البابا لاوون الرابع عشر المشهد الأمني السوداوي في لبنان، ليحطّ في بلاد الأرز كأوّل وجهة خارجية له إلى جانب تركيا، رغم التهديد الإسرائيلي بإعادة فتح الجبهة من جديد وتوسيع الحرب.
تلقّى البابا تحذيرات كثيرة لتأجيل زيارته، لا سيما بعد الاعتداء الإسرائيلي الأخير على الضاحية الجنوبية لبيروت، واغتيال رئيس أركان "حزب الله" أبو علي هيثم الطبطبائي في 23 تشرين الثاني/نوفمبر. إلا أن الموعد لم يتغيّر، ليغدو رسالة سلام يحملها إلى البلد الذي وصفه سلفه البابا يوحنا بولس الثاني، خلال زيارته في العام 1997، بالوطن الرسالة.
دعوة للحياد
تستفيد الكنيسة المارونية في لبنان من وهج الزيارة، لإعادة الضوء إلى مطلب "حياد لبنان عن صراعات المنطقة". الأمر الذي سبق للبطريرك مار بشارة بطرس الراعي أن رفعه في العام 2020 من أجل تجنيب لبنان مهمة صندوق البريد، وأن يكون ساحة لحروب الآخرين على أرضه.
لطالما شكّل هذا الطرح مادة سجالية في بيروت، بين مؤيد له بهدف إعادة لبنان إلى دوره التاريخي كنموذج للتلاقي والعيش المشترك، وخصوصية التنوّع بعيدًا عن الأحلاف العابرة للحدود، ومعارض على قاعدة انه من المستحيل سلخه عن محيطه والأحداث الدائرة في الإقليم، والتي ستنعكس حكمًا عليه وعلى خياراته السياسية.
دعوة للسلام
تختلف الظروف بعد مرور 5 سنوات على إطلاق بكركي مذكرة "لبنان والحياد الناشط"، والواقع اليوم أصبح في مكان آخر بعد التحوّلات الجيوسياسية الكبرى على إثر سقوط نظام الأسد في دمشق، والتغوّل الإسرائيلي فوق الحدود بغية تحقيق مخططاتها وضمان أمن حدودها.
بالتزامن، يتعرّض لبنان لضغوط أميركية وإسرائيلية كبيرة دفعًا نحو مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، أسوة بتلك التي تقوم بها سوريا. والهدف البعيد لا ينفصل عن رغبة واشنطن بتوسيع دائرة الاتفاقات التطبيعية في المنطقة.
وسط هذه المشهدية، تأتي زيارة البابا إلى لبنان حاملة رسالة للسلام فيما طبول الحرب تُقرع على بعد أيّام ربما من مغادرته، وسط التهديدات المتواصلة، وكان آخرها ما نقلته هيئة البث الإسرائيلية، قبل وصول البابا بساعات، أن "إسرائيل أبلغت الحكومة اللبنانية أنها إذا لم تعمل ضد حزب الله فإنها ستوسّع هجماتها وستستهدف مناطق جديدة".
ومن هنا يستعيد طرح تحييد لبنان وهجه، بحسب مصادر مطلعة لـ"الترا صوت"، لا سيما أنه يأتي في حضرة البابا، والدفع الذي يمكن أن يعطيه على مستوى عواصم القرار لتجنيب لبنان ويلات جديدة وتكريسه كبلد محايد.
كتاب من "الحزب"
وفي خطوة لافتة، رحّب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم بزيارة البابا، معلنًا عن تكليف وفد من المجلس السياسي بزيارة السفارة البابوية في لبنان وتقديم رسالة من "حزب الله" إلى البابا.
وشدد "الحزب" في رسالته على تمسكه بالعيش الواحد المشترك، وبالديمقراطية التوافقية، وبالحفاظ على الأمن والاستقرار الداخلي، وبحرصه على السيادة الوطنية وحمايتها، وبالوقوف مع الجيش والشعب اللبناني لمواجهة أي عدوان أو احتلال.
وحملت الرسالة تأكيدًا واضحًا على حقه بالمقاومة، قائلًا: "نلتزم بحقنا المشروع في رفض التدخل الأجنبي، الذي يريد فرض وصايته على بلدنا وشعبنا، ومصادرة قراره الوطني وصلاحيات سلطاته الدستورية".
وتأتي هذه الخطوة في ظل رفض "الحزب" للضغوط التي تمارَس عليه لتسليم السلاح بالقوة، معربًا عن استعداده للبحث بأي استراتيجية دفاعية تناقَش لبنانيًا وليس بالإملاءات الخارجية.
صلاة لبيروت وغزة
وعليه تكتسب الزيارة في هذه الظروف الحرجة معاني مختلفة، وهي امتداد لمواقف البابا المتقدمة لجهة التضامن مع الشعوب المقهورة ورفض العنف والحروب، لا سيما في قطاع غزة وما يتعرّض له الشعب الفلسطيني.
هذا الاستنكار البابوي دفع بإسرائيل إلى قطع الطريق أمام زيارة القطاع، الذي كان يرغب البابا بأن يكون وجهة له أيضًا.
وفي سياق هذا البعد الإنساني أيضًا، تُصلّي بيروت مع البابا لضحايا انفجار المرفأ في الرابع من آب/أغسطس 2020، كما بالقداس الإلهي برئاسته عند الواجهة البحرية للعاصمة اللبنانية، مستعيدًا صورًا من الدور الحضاري القديم للبنان كصلة وصل بين الشرق والغرب، والمصدّر الأول للحرف إلى العالم.
لماذا لبنان؟
يشكّل لبنان وجهة دائمة للفاتيكان، كمختبر تفاعل حضاري بين الشرق والغرب، وبين المسلمين والمسيحيين على اختلاف طوائفهم الـ18، في نموذج فريد للتنوّع الديني والثقافي، والمهدّد دائمًا وسط العواصف المحيطة به.
هذا المنطلق يحضر دائمًا في رؤية البابوات للبنان كبوابة للشرق وواحة للحرية، وكقيمة خاصة رغم كل الأوضاع الصعبة التي يمرّ بها. ما شكّل دافعًا لأكثر من بابا ليقصده، كما في العام 1964 مع البابا بولس السادس، وفي العام 1997 مع البابا يوحنا بولس الثاني، وفي العام 2012 مع البابا بنديكتوس السادس عشر.
هل من مبادرة؟
كان لافتًا ما صرّح به البطريرك الراعي أنه إذا "لم تحقق زيارة البابا نهضة فليس لها قيمة، ولا يجوز أن يأتي البابا الى لبنان ثم يعود البلد كما كان بعد مغادرته"، يحضر سؤال أساسي عمّا اذا كان في جعبة البابا مبادرة ما لحماية لبنان من تداعيات الزلزال الذي تشهده المنطقة، والمخططات العابرة للحدود.
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






