وطنٌ برسم إستقلالٍ.. لمن يهمّه الأمر!
20 تشرين الثاني 2025
10:12
آخر تحديث:20 تشرين الثاني 202511:00
Article Content
تمهّل وتمعّن أيها الناظر إلى تلك المشهديةِ الوطنية الجامعة، تؤرّخُ كفاحَ مناضلين هتفوا نحن أصحاب الأرض لن تُستعمر ما حيينا. تراه الإستقلالُ ينتظرُ سنويته بإحتفالٍ تكريمي شاملٌ أبنائه بكاملِ سيادته، جامعٌ أقطابه بصورةٍ تذكارية، رافع العلم اللبناني فوق كلِّ أراضيه.
تأمل ذاك البروتوكول الرسمي، إلى "قواه" الجوية الباسلة، وسط جو مسيّر بإستطلاع جريء، غير مخير التمتع بأجواءٍ سيادية، تلك جاذبة الإنتباه... إلى برٍّ مشاةٍ كم تمنينا إلى الأمان در تطأ كامل 10452 كلم، نحو شاطئ فاض بحره بأمواجِ الإستعمارِ والإحتلالِ، وكم يعزّ على "العين" تأملُه في صبحٍ شارق، وهو غارق في مغيبٍ تحت المجهر الصهيوني.
ويا أيها القارىء لتاريخنا هل نحن في وطنِ الإستقلالِ أو نحنُّ؟ كأننا في إستقلال وطنٍ عن الإستقلالِ!؟ وكأننا نعمّمُ المباركات الإحتفالية لا الحقيقية، فالواقعُ أفقدَها تمامَ العيدِ، وكأننا نكرّمُ رجالات الإستقلال، نحتفي بالتحرر من الإنتداب الفرنسي، ومتى ترانا نكرّمُ ونحتفي بإقصاء "البقية"! وما عسانا يا عيد نقول حقاً عدتَ بأفضلِ حالٍ.
وترانا يا هذا الإستقلال المجيد نحلمُ بتحقيقِ ذاتيتك الكاملة، ونَنعَمُ بمعناك ومغزاك الجوهري، متى يا هذا الإستقلال تشعرُ بذاتك وتعلّمُ مبتغاك؟ لربما ليس ذنبك ولا يُلقى اللوم على هذا الوطن، لطالما كان محطَّ "إنجذابٍ" للحروب والإستعمار، ومحطةً لصراعِ الآخرين، ومحاطاً بعدو مستجدٍّ مستبدٍّ، ساحة لتصفية الحسابات والمحسوبيات، ولم يزن لإستقلاله أحداً يوماً أي حساب، ولم تحتسب في موازين الأوطانِ وزنة الوطن في حقِّ المصير القرار والإستقرار.
يكادُ تشرين الثاني يعزّزُ ويذكّرُ في عطلته الرسمية بمفهوم الإستقلال، وكأنّه يعرّفُ بنفسه، يدلي ببياناته، إنني هنا نلتُ وجودي بسواعدِ رجالات أبطال، إنني هنا تحققت لأجلِ وطنٍ يستحقُّ السلامَ، لأني حق دستوري مكرّسٌ بالقانونِ، حقٌّ طبيعي للأمةِ، إنني هنا لتأكيد السيادة والهوية والحرية والسيطرة على الأرضِ والمواردِ، لحمايةِ الحدود والدفاعِ عنها، للتحرّرِ من قيودِ كلِّ مستعمرٍ، لردعه لرده إلى من حيث أتى، قد يستسهل إحتلالَ أرضٍ لكن من الصعبِ أن يحقق رجاءَه بوجود ثوار أحرار.
وطنٌ برسم إستقلالٍ ذي حكم ذاتي يتحملُ مسؤولية ذاتية عن القرارات الوطنية، وإدارة شؤون البلاد وإحترام إرادة شعبها، كما يسهمُ في تطويرِ العلاقات الدولية المتكافئة، لا بالهيمنة والإستبداد، ولا تدخل خارجي يفرضُ إملاءاته، ولا شك أنّ هذا الحكم يبلورُ الإستقلال السياسي كما الإقتصادي والمالي، يرسّخُ الإنتماءَ، ويبسط سلطة الدولة بكل معاييرها ومقاييسها، مما يكسبُ هيبتها، ويكسرُ قيودَ كل محتلٍّ.
وإذا كان الإستقلال "لا ينفصل عن الوحدة الوطنية والحرية الداخلية"، فإنّه يبدأ مع إستقلالِ الفردِ فكراً وإنتماءً وإلتزاماً، ولقد كان المعلم الشاهد والشهيد من أجل إستقلال الأوطان، أكد في أول خطاب له في المجلس النيابي دعمه الكامل لإستقلال لبنان وتشديد المطالبة "حكومةً وشعباً"، ولذلك "نريد جيشاً قوياً ليقوم بالمهمة والرسالة التحررية"، لسيادةٍ قوامها جيشاً يقومُ بمهامها.
ولقد اعتبر المعلم أن "الوطن الذي لا يحميه أبناؤه يباح إستقلاله ويسهل إستغلاله وتفرقة أبنائه وتجزئة أراضيه"، لذلك فهو بحاجةٍ إلى قيادة وطنية خارج القيد الطائفي. وأشار في كتابه "في سبيل لبنان" إلى "الإستقلال الثوري" من أجل تحقيق إستقلال القرار السياسي من جهة وبناء الدولة من جهة أخرى.
قاد الحزب التقدمي الإشتراكي والحركة الوطنية التي نادت بالإصلاح وتطوير النظام والعروبة... من أجل ترسيخِ الإستقلال، فلقد قاد الإنتفاضة العارمة ضد سياسة كميل شمعون الداعية إلى ربط لبنان بالتحالفات الأجنبية مع الغرب، هو الذي ناهض الوصاية السورية فرفض السجن الكبير، وناصر القضية الفلسطينية وحل الدولتين، لتنعم أرض القداسة بالسلام والإستقلال.
وإن تأييدنا لحزب سياسي لبناني الهوية وعروبي الهوى... كالحزب الإشتراكي لا ينفي إستقلالية رأي يتوافق معه ويمثل أفكاره نهجاً تقدمياً قائماً على فكرةِ الإنسانية، في خدمةِ المواطنِ في مجتمعٍ سليمٍ يسلّم أمره إلى المؤسسات الشرعية، لست بتابعٍ يجرّدُ من إستقلاليته يصفّقُ لزعيمٍ... بقدر منتسبٍ لمبادئ تتواءمُ أسمى القضايا ليسمو وطن الإستقلال. "لنكون مواطناً حراً وشعباً سعيداً".
وإن كان إستقلالُ الفردِ إنطلاقة لإستقلالِ الأوطانِ "كما تكونوا يولّى عليكم"، وكم نأمل إستقلالاً حقيقياً، لعيدِ الإستقلال رمزية كبيرة، تتجلى فيه مآثر العزِّ والفخرِ، نتاجُ نضالٍ وتضحياتٍ، نتيجة ثورات وتحركات التحرر، فهناك دائماً صراعٌ بين الديكتاتورية والديمقراطية، "وإنّ الصراعَ في سبيلِ الحق انتصارٌ في كلتا الحالتين سواء أكان نتيجته الإستشهادَ المضيء أو النصر الساحق".
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






