عن ألسنة النيران في أذيال أميركا وإيران

د. قصي الحسين |

خلال انعقاد القمة الصناعية في  "بياريتز" في فرنسا منذ أسابيع، بدا الرئيس إيمانويل ماكرون منهمكاً في ترتيب لقاءٍ بين وزير خارجية إيران، محمد جواد ظريف، ولو بواحدٍ من أعضاء الوفد الأميركي في القمة. 

فالعقوبات الأميركية التي تستهدف قدرة إيران على بيع نفطها، أتت على خلفية إصرار إيران على زيادة تخصيبها اليورانيوم، وذلك بعد أن سجّلت أميركا - الرئيس ترمب، مخالفة أميركا - الرئيس أوباما، في السير بالاتفاق النووي وخروجها عليه، على الرغم من بقاء الأوروبيين فيه، والاشتغال، الفرنسي خصيصاً، على مادةٍ واحدة: تقريب وجهات النظر بين الطرفين: أميركا - ترمب، وإيران - روحاني.

لا بأس، إذاً، من العودة إلى كتاب: "أجندة إيران اليوم" للمراسل الأجنبي ريتز إرليخ Retse Erlich، الذي زار إيران وقدّم الرواية من داخلها كما يقول، وهو الذي أضاء بالتالي على جميع الأخطاء التي حصلت في السياسة الأميركية منذ نهاية حقبة ما بين الحربين العالميتين، وحتى اليوم.

والكتاب يقع في نحو  270 صفحة من القطع الوسط، (والذي نشرته الدار العربية للعلوم- ناشرون، ومن ترجمة رامي الريّس، طبعة أولى، تموز/ يوليو 1440ه- 2019م ). قدّم للكتب ويليام و. بيمان، أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة مينيسوتا. كما قدّم له أيضاً روبرت شير، رئيس تحرير مجلة Prulh Dig الإلكترونية، ومدرّس "علم الاتصال" في جامعة جنوب كاليفورنيا- معهد آنينبرغ للاتصال والإعلام.
   والكتاب الذي يضمّ اثني عشر فصلاً يطرح أسئلةً مفصلية بحق في تاريخ العلاقات الأميركية -الإيرانية، ويجيب عنها بحيادية لا تنقصها المهنية، ولا الشفافية معاً في آن:

1- وصل ريتز إرليخ إلى إيران في شهر حزيران من العام 2005. وهو يصف سيره بهدوء نحو الشارع المنحني باتّجاه بازار طهران. تنشقَ البهارات، وسمع أصوات التجار، وزحمته الحشود، وناكبها وناكبته على المرور. وأما هدفه من الرحلة، فقد كان التعرّف على نظرة الإيرانيين للولايات المتحدة، ولحكومة إيران. يقول إرليخ: " كان البائع مشتابور يبيع أدوات منزلية صغيرة، كالمكواة والخلّاطات. وطلب منا أن نذكر اسمه الأول فقط. سألناه عن التأكيد الأميركي في أن سعي إيران لامتلاك الطاقة النووية ينطوي على بناء سلاح نووي. أجاب مشتابور: إن إيران لا تبني سلاحاً نووياً. ودافع عن حقّها في امتلاك الطاقة النووية، "فلكل دولةٍ الحق في أن تصل إلى الطاقة النووية". وقال لنا، "هذا حقنا". (ص23).

2- وعمّا إذا كانت إيران تريد تطوير سلاح نووي، وهو السجال الدائر اليوم في الغرب، يقول إرليخ إن الولايات المتحدة في السبعينات شجّعت إيران على تطوير الطاقة النووية تحديداً. وكشف عن وثيقة لإدارة الرئيس جيرالد فورد، وكان كيسنجر وقتها وزيراً للخارجية، دعمت توجّه إيران نحو الطاقة النووية (ص37). واعتبر كيسنجر إنه، "من المصلحة القومية الأميركية، ومصلحتها الاقتصادية والأمنية، أن تكون العلاقات وطيدة [مع إيران] لناحية الطاقة النووية ( ص38). ويقول إرليخ: بهدف فهم النفاق في السياسة الخارجية الأميركية، يجب العودة إلى حقبة 1958، أي حين وقّع الشاه اتفاقيات عسكرية واستخباراتية مع الإسرائيليين، والتي كانت تحتاج إلى حليفٍ إقليمي لها في المنطقة (ص39). وبرأيه إن الولايات المتحدة هي التي كانت تقول لإيران: تحوّلي إلى قوة نووية.

3-  وعن" الولايات المتحدة، إيران، والاتفاق النووي"، يقول المؤلف إنه بعد سنوات من الصراع، وافقت إيران على الاتفاق النووي سنة 2015 ( ص57). وإن الوكالة الدولية لم تؤكّد يوماً بعد سنة 2003، بأن إيران تملك برنامجاً نووياً. [وأضافت الوكالة بأن إيران] قامت بتخصيب اليورانيوم لدواعي البحث الطبي، وإنتاج الطاقة الكهربائية. وإن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تراقب كل أنشطة اليورانيوم في إيران، من التعدين إلى التنقية إلى التخصيب. وبرأي الباحث فإن الشكوى الحقيقية لواشنطن من القادة الإيرانيين، هي للتسويق الداخلي: "أن تجعل الرأي العام الأميركي في غاية القلق" (ص73).

4 - يقول الباحث إن بن أليعازر، كان يدافع عن موقف الحكومة الإسرائيلية الداعم لإيران في الحرب العراقية - الإيرانية. وأن إسرائيل باعت قطع غيار وأسلحة لإيران، وذلك على الرغم من رفض كبار المسؤولين الإيرانيين الاعتراف بحق الدولة اليهودية بالوجود. ويقول "إن أحمدي نجاد لم يكن هتلر، وإسرائيل ليست ألمانيا. وإن الولايات المتحدة وإسرائيل تحرّفان كلام أحمدي نجاد عمداً لمضاعفة التأثير السلبي حتى حدوده القصوى" (ص83).

5 - ويقدم الباحث تاريخاً مختصراً للعلاقات الأميركية - الإيرانية منذ العام1953، مروراً بعام 1979 وحتى العام 2011 و2011، ومرحلة وصول الرئيس ترمب إلى الرئاسة، ودون أن ينسى قضية إيران- كونترا، ومرحلة 1985 ( ص113)، وإسقاط الطائرة الإيرانية العام 1988. وإنه إذا كانت إيران متّهمة بدعم الإرهاب، فإن الولايات المتحدة لم تقصّر في هذا الشأن عبر تاريخها الطويل.

6 - يعدّد الباحث المراحل التي وقفت إيران فيها إلى جانب الولايات المتحدة في سياستها الشرق أوسطية وغيرها. كما تحدّث عن نظام إيران السياسي اليوم، وعن تجّار البازار، والمؤسسات الثورية   "بنياد". وتحدّث كذلك عن بيروقراطية الحكومة، وعن تركيب وتفكيك الأحلاف. وكذلك عن ردّ المحافظين العنيف في انتخابات 2005. ويقول الباحث نقلاً عن أحدهم "غالجي": إن أغلبية الإيرانيين يرفضون النفاق الأميركي حيال الأسلحة النووية.

7 - يناقش الباحث مسألة الحركات الاجتماعية الإيرانية، وكيف يتعامل معها مسؤولو وزارة الداخلية، وكيف يتم التنصت على الهواتف الناشطة. ويرى أن المعارضة نفسها، ترى مسألة الأسلحة النووية مصطنعة. ويقدّم الباحث قراءةً متأنية لحركات المعارضة الإيرانية، كما يتوقف عند ثورة الطلاب في العام 1979 ضد الشاه. كذلك يتوقف عند معركة حقوق المرأة، وكيف كانت المنظّمات النسائية تنظّم المظاهرات السلمية. وبرأيه فإن الاضطرابات الواسعة أدّت إلى إنشاء اتحادات مستقلة، وإلى منظمات غير حكومية، لأجل بلورة المجتمع المدني. وهو يستنتج بأن الولايات المتحدة قوةً عظمى. وهي تستخدم قوتها العسكرية وغير العسكرية لفرض إرادتها على الشعب، وعلى المعارضين الإيرانيين أيضاً. ويقول: إن للإيرانيين وحدهم يعود أمر تغيير النظام.

 8 - يتحدث إرليخ أيضاً عن المظاهرات الإيرانية الاحتجاجية في العام 2009، وكيف انتقد المتظاهرون منح إيران مليارات الدولارات للحلفاء الإقليميين، مثل سوريا، وحزب الله، وحركة حماس. وينقل عن لسان أحدهم، ويُدعى "خرافي": "عليك أن تُطعم شعبك أولاً. نحن نعاني من الفقر في وطننا" (ص164).
   ويقدّم الباحث توصيفاً للحالة الإيرانية من خلال المشاكل الاقتصادية الكبرى، وكيف دعمَ الأميركيون الاحتجاجات، وكيف انطلقت الحركة الخضراء العام 2009. وكيف كان يتم القمع على يد الحكومة الإيرانية. ثم جرت التفاتة لتوصيف القمع الحكومي بتخبّطه في الجناح اليميني والجناح اليساري. وينتهي إلى القول: "إن الشعب الإيراني سيُحدث التغيير الجذري على طريقته، وفي توقيته، وليس تحت الإشراف الأميركي (ص179). 

9 - وفي كل مرة يعود الباحث للتذكير بأيام الشاه، وكيف كانت الملكيات توزّع، وكيف كانت الشاشات تمتلئ. وكيف كان يتمّ قمع الحركات الشعبية. وكيف برز التهديد الإرهابي محل العداء للشيوعية الإيرانية خاصة، والشيوعية الدولية عامة. وكيف أن أميركا اليوم تحاول جهدها تنصيب زعماء بدائل [في البلاد]. وأضاف أن المحافظين الأميركيين يدعمون طائفةً من هؤلاء من خلال اصطناع "طهران جيلوس"، نسبة إلى مدينة لوس أنجلوس التي تستضيف الإيرانيين. وبرأيه فإن النفاق الأميركي، إنما هو نظير الدعم الإيراني الذي يصل إلى جماعات الضغط على أميركا. ومع ذلك فالحكومة الأميركية ليست مهتمة حقاً بدعم الديمقراطية في إيران، وذلك بدليل سياساتها حيال الأقليات الدينية والإثنية (ص198).

10 - يتحدث الباحث أيضاً عن الأقليات الإيرانية الإثنية، وكيف أنها تثير الاضطرابات على الحدود: الصراع الكردي، ومخيمات المقاتلين في شمال العراق، ومجمع كومولا قرب السليمانية في العراق، بالإضافة إلى حديثه عن كردستان، وحزب "الحياة الحرة"، وكيف أن الأكراد ينالون الدعم الإسرائيلي. ناهيك عن الأذريين، باعتبارهم الشريحة الأكبر والأقل شهرة. وعن العرب في إيران أيضاً: خوزستان مثلا، وكذلك عن جنوب أذربيجان. ويرى الباحث بأن للأقليات الإثنية مطالبها المشروعة. ولكن استغلال الفجوة في المجتمع الإيراني سيولّد ردة فعلٍ عكسية تدعم النظام (ص222).

 11 -  وتحت عنوان، "ما لم يقله لكم الإعلام الأميركي" يرى الباحث أن الإعلام الآخر لا يقلّ أهمية في نقل الوقائع. وهو يقدم صورة قوية عن أخطاء السياسة الأميركية في إيران اليوم".

 12 - وتحت عنوان، "تعلّم الدروس من العراق"، يسرد لنا إدارة بوش للحرب على العراق. وكذلك إدارة أوباما، ومن بعده إدارة ترمب. وكيف أدّى ذلك إلى خسارتهم في العراق. وأضاف الباحث أن أصحاب الهوس العسكري الأميركي، الذين يؤيدون ضربةً عسكرية لإيران، يأملون من خلالها إسقاط الحكومة. غير أن ذلك سيؤدي حتماً، إلى تمسّك الشعب الإيراني، وتماسكه، والتفافه حول نظام الحكم القائم. وسيتحدث ساعتئذ التاريخ عن نتائج الاعتداء الأميركي الكارثي (ص260)، وأنه إذا لم تثبّت حكومة الولايات المتحدة، كما حكومة إيران، أسس السلام بينهما، فعلى شعبَي الدولتين القيام بذلك (ص265)، أو أن التاريخ سيتحدث في المقابل عن ألسنة النيران وهي تلتهم أذيال كلٍ من أميركا وإيران.

*أستاذ في الجامعة اللبنانية.