بكاسين... تلك التي "أغرت" يراعتي!

الياس قطار |

في بكاسين سحرٌ ما أجهلُه حتى السّاعة. كأنّي بها أنثى ساحرة تعيدُني من البعيدِ إلى الـ"هَهنا". جميلةٌ تغري يراعتي فأؤمُّ الكتابةَ لأجلها ظرفيًّا. جميلةٌ تستخدمُ وسائلَ شتّى لتنتزعَ منّي نصًّا وسيولَ فِكَرٍ بحذاقةٍ وسلاسةٍ خالصَتَين.
 
هنا تتزاحمُ العناصرُ. لكلّ ناصيةٍ قدرةٌ غريبةٌ على الاستمالة. تستخدمُ بكاسين الطبيعةَ المُحيطةَ وبناتِها (بنات الطبيعة) ليُكتَب عنها وفيها، عن حلاوةِ كلِّ تفصيلٍ فيها، عن صخبِها وسكينتِها، عن أطفالِ باحاتِها، عن وجوهِ ناسِها، عن مظلّات سمائها، عن اندفاعةِ شبابِها وشيبِها، عن سحرِ ليلِها. تتفرملُ الفِكَر فينةً، تحضرُ هيبةُ المكان وقدسيّتُه إلى الذاكرةِ المراهِقة المتصابية: هنا تشهدُ كنيسةُ القديسة تقلا كلَّ عام على مهرجانٍ لا يغالي حاضرٌ أو مشاهدٌ إن وصفه بالاستثنائيّ. استثنائيّةٌ بكاسين في كلّ ما يصدرُ عنها. ربّما هي عطيّةُ السّماء تجعلُ من مهرجاناتِ هذه البلدةِ مختلفةً، ربّما هو حسنُ اختيارِ المكانِ والزّمانِ، وربّما هي لُحمةُ ناسِها وهمُّهم الجامعُ: إنجاحُ مهرجانِ العام لا بل الحرصُ على استحالتِه أفضلَ من أسلافِه.

في المكانِ هيبةٌ تُشعرُك لبرهةٍ بأنّك أنت الواقف على المسرحِ تخاطبُ جمهورًا عريضًا قولًا أو غناءً. يدخلُ الرّائعُ ميشال فاضل، يتغامزُ واللّيل بمقطوعاتٍ تسلبُ الأفئدة. يليقُ ميشال فاضل ببكاسين وتليقُ بكاسين به، فكلاهما يخزّنُ من الرقيّ المتلاشي في زمنِ الأشيائيّة. راقٍ ميشال فاضل رقيَّ بكاسين نفسِها. مقطوعاتٌ موسيقيّةٌ ساحرةٌ أدّاها الموسيقيُّ اللّبنانيُّ العالميُّ معيّةَ كورسٍ بحناجرَ عملاقةٍ وضيوفٍ من فرقته "O" (جوّانا مرقص، هناء الإدريسي، رالف عصفور وجورج صدقة). يُمولِد فاضل لنفسِه عالمًا خاصًّا، يعزلُ ذاتَه عن الأصواتِ المحيطة، يذوبُ في البيانو خاصّته، تتماهى أناملُه ذهابًا وجيئًا مع لعبةِ الأضواءِ الصّارخة. البدايةُ كما النّهايةُ، دهشةٌ مزدوجةٌ على وجهِ الموسيقيّ من روعةِ المكانِ وحسنِ التّنظيم والتّفاعل، وعلى وجوهِ الحاضرينِ من مستوى فاضل وفرقتِه. "عزفتُ في مناطقَ مختلفةٍ من لبنانَ وفي دولٍ عدّة حولَ العالم، أقولُها اليومَ: هذا أجملُ كادر أعزفُ فيه" قالها فاضل لأبناء أجمل قرية في لبنان للعام المنصرم في إشارةٍ إلى اختزالِ المسرحِ وتحديدًا كنيسة الباحةِ جمالًا نابضًا غيرَ ناضب.


 
 بعد هذا الجنونِ الخلّاق، استحقّ الحاضرون استراحةً لن تطولَ قبل أن تتولّى مقدمةُ الحفلِ كارلا حدّاد تقديمَ بطلةِ الزّمانِ والمكان. هي كارول سماحة، ومن أفضلُ منها لتشدوَ في اللّيل الهابطِ في حضرةِ الفنِّ الصّاعدِ المتعمشقِ على رؤوسِ صنوبراتِ المكانِ والمتسلّلِ خفرًا إلى نفوسِ أهلِ المكان وضيوفِه. من أفضلُ من سيّدةٍ ما إن افتتحت صباحَ الألفِ الثالثِ حتى غدت وجهَه البسومَ وحَنجرتَه المتماهيةَ مع سحرِ المطارح. هنا تلاحمَ الجزآن، اكتملت المشهديّةُ التي كانت كافيةً فورَ الإعلانِ عنها لاجتذابِ النّاسِ من مختلفِ الأصقاعِ ليكونوا شركاء في رسمِ أفضلِ مشهديّاتِ اختتامِ صيفِ لبنان. أفرغت كارول سماحة ما في جعبتِها من "ريبرتوار" غزا لبنانَ والمنطقةَ العربيّةَ وتناثر في الشّتات. غنّت بالعربيّة والفرنسيّة والإنكليزيّة. لم تكن ليلةُ السّبت عاديّةً، وما أرادها المنظّمون عاديّة. فنّانةٌ حدودُها السّماء، جمهورٌ يقودُه التّفاعلُ إلى إصخابِ المكان بغناءٍ وتمايلٍ وتصفيق. 

لم يكتفِ المنظّمون هذا العام بسحر كارول سماحة، فجعلوا السّحرَ مزدوجًا مع عودة ميشال فاضل إلى المسرح لينثرَ وكارول إيقاعاتِهما في الأرجاء. إيقاعات عانق صداها أشجارَ الصنوبر المتلاقحةَ، وتماهت أنغامُها مع ألوانٍ ضوئيّةٍ تنيرُ عتمةَ أيلولَ المبكرةَ والمباغتة. حتّى السّماءُ أرادت لمهرجاناتِ هذا العام النّجاحَ، فحجبت عن رؤوسِ ناسِها الهفا (مطرٌ متقطّعٌ) واستعاضت عنها بعطرٍ خريفيٍّ لطيف.

ينتصفُ اللّيل ويتمادى في تذكيرِك بأنّ الوقتَ تأخّر. تتمنّى لو تتوقّف عقاربُ السّاعةِ كي لا تهجرَ كارول سماحة مسرحًا عشقَته فعشقناه. تغادرُ المكانَ قسرًا رَغم أنّ أضواءَ البلدةِ المفتوحةِ لزوّارِها في نشاطاتٍ مجانيّة على هامش المهرجان، لا تهمد. تغادرُ راضخًا لفعلِ الانتصافِ الزمنيّ مغتبطًا... تغادرُ وفي نفسِك شيءٌ من بكاسين!