الحد الادنى للأجور بين الواقع والمرتجى
21 تشرين الأول 2025
17:14
آخر تحديث:21 تشرين الأول 202517:14
Article Content
يشكل الحد الادنى للأجور أداة مركزية في السياسات الاقتصادية والاجتماعية، لما له من تأثيرات مباشرةً على الفقر، التوزيع العادل للدخل، الاستقرار الاجتماعي، وتحفيز الطلب الاستهلاكي. لكن لكي يكون هذا الاجر فعالاً، يتطلب الامر مجموعة من المعايير الاساسية التي تستخدم عادةً لتحديده او مراجعته، ومنها:
- كلفة المعيشة الحقيقية: بما في ذلك الغذاء، السكن، المواصلات، الصحة والتعليم، الكهرباء والاتصالات.
- مستوى الفقر المحتمل: خط الفقر الادنى، الفقر متعدد الابعاد، الفقر الغذائي، والفئات الأكثر تأثراً.
- نسبة من متوسط او وسيط الاجور (متوسط الاجر: المتوسط الحسابي لاجور العمال، وسيط الاجر: الاجر الذي يقع في منتصف توزيع الاجور) توصي المنظمات الدولية بأن يكون الحد الادنى بين 50 – 60 % من الوسيط الوطني.
- الانتاجية الاقتصادية: يربط الحد الادنى بقدرة الاقتصاد او القطاعات المختلفة على دفع اجور اعلى. كلما زادت الانتاجية، يفترض ان يرتفع الحد الادنى للأجور.
- ظروف سوق العمل: يؤحذ بعين الاعتبار معدل البطالة، نمو الوظائف، ومرونة سوق العمل.
- الاستدامة المالية للشركات، خصوصاً الصغيرة والمتوسطة، وقدرتها على تحمل كلفة الأجور المرتفعة دون افلاس او تخفيض وطرد العمال.
- معدل التضخم وسعر الصرف، خصوصاً في الدول التي تعاني من تدهور العملة المحلية او تقلبات سعر الصرف.
- المشاركة المؤسساتية: الشراكة بين الحكومة، النقابات، أرباب العمل، والمؤسسات البحثية لتحديد الحد الادنى بشكل دوري وشفاف.
الإطار الواقعي للحد الأدنى للأجور في لبنان
التطورات الاخيرة: الحكومة اللبنانية قررت رفع الحد الادنى للأجور في القطاع الخاص، بناءً على توصية لجنة مؤشر غلاء المعيشة برئاسة معالي وزير العمل د. محمد حيدر الى 28 مليون ليرة لبنانية شهرياً بدءً من شهر ايار مايو 2025 قيمة هذا المبلغ تقارب 312 دولار بحسب سعر الصرف في السوق في حينه. الزيادة تمثل 56 % مقارنةً بالحد الادنى السابق (18 مليون ل.ل.).
مؤشرات الفقر: وفق تقرير البنك الدولي تشرين الاول 2025 فإن نسبة السكان الذين يعيشون دون خط الفقر على ارتفاع دائم حيث ان نسبة السكان الذين يكسبون اقل من 3 $ يومياً ارتفعت من 0.1 % في العام 2013 الى 5.9 % في العام 2023، في حين أن نسبة الافراد الذين يكسبون اقل من 4.2 $ يومياً ارتفعت من 0.3 % الى 16 % ونسبة الذين يكسبون اقل من 8.3 $ يومياً زادت من 5.5 % الى 50.7 % في الفترة نفسها. تم ايضاً اعتماد مفهوم الفقر متعدد الابعاد الذي يأخذ في الاعتبار جوانب مثل التعليم، الصحة، الكهرباء، وليس فقط الدخل، ما يوسع شريحة الفقراء اكثر.
الفجوة بين الواقع والمرتجى
ما الذي يريده المجتمع الاقتصادي والاجتماعي؟
من خلال المعايير الاساسية السابقة، وارقام تقرير البنك الدولي الاخير حول الفقر، يمكن استنتاج ما يلي: - اجور تغطي كلفة المعيشة الاساسية في كل المناطق.
- آلية ربط الحد الادنى بمؤشر تضخم رسمي، ويفضل أيضاً مؤشر سعر صرف معترف به إن كانت الاجور تقيم أو تدفع جزئياً او تقارن بالدولار.
- مراجعة دورية وتعديلات استباقية تفادياً لانهيار القدرة الشرائية.
- ضمان أن الحد الادنى لا يستخدم للضمان الاجتماعي فقط، بل يكون اساساً لاستحقاقات مثل التعويضات عن العطل المرضية، الاجور الثانوية، العائلة والاطفال وبدل النقل.
مدى اقتراب الحد الادنى الحالي من المرتجى
رغم الزيادة الاخيرة، لا يزال هناك نقص كبير في ما يلبي الخط الادنى للمعيشة الحقيقية، خصوصاً في المناطق ذات التكلفة المرتفعة والمركبة للخدمات. في اكثر من تقرير محلي، تم تقدير ان تكلفة المعيشة لاسرة من اربعة اشخاص في مناطق حضرية قد تتطلب ما بين 52 الى 71 مليون ليرة لبنانية شهرياً لتغطية الاحتياجات الاساسية ما عدا الصحة او الطوارىْ. بالمقارنة، الحد الادنى البالغ 28 مليون ليرة لا يغطي هذه التكاليف في المدن الكبرى او المناطق التي ترتفع فيها الايجارات او الخدمات.
آثار الفجوة في الاجور (بين الواقع والمرتجى للحد الادنى) على الاقتصاد والمجتمع
- تراجع عام في الاستهلاك، مما يؤدي الى ركود في الاقتصاد المحلي، تراجع المبيعات، تأثير سلبي على القطاعات الصغيرة والمتوسطة، ما يؤدي الى تراجع في الطلب الاستهلاكي الوطني
- لأن الاجور الرسمية لا تغطي الكلفة، يلجأ الكثير الى العمل بدون عقود أو تسجيل، لتفادي التكاليف الاجتماعية والضرائب المرتبطة بالقطاع الرسمي. ما يؤدي في توسع الاقتصاد غير الرسمي.
- فئة العاملين ذوي المهارات العالية والمتوسطة تهاجر السوق المحلية الى الخارج، ما يزيد من ظاهرة استنزاف الكفاءات والبعد الاجتماعي. ما يؤدي الى تفاقم التفاوت الاجتماعي والهجرة واضمحلال الطبقة الوسطى.
- الانخفاض في المساهمات، ضعف القدرة على تمويل التأمين الصحي والضمان، وزيادة الاعتماد على الدعم الاجتماعي (إن وجد) ما يزيد الضغوط على الخدمات العامة والضمان الاجتماعي.
آليات ارساء سياسة اجور عادلة ومستدامة
يجب ارساء خط اجور قابل للحياة وليس مجرد حد ادنى قانوني، بحيث يغطي مجموعة احتياجات الاسرة وعلى اساس تكلفة معينة (الايجارات، النقل، الغذاء، التعليم، الصحة) محددة من قبل الارقام التي تصدر عن مديرية الاحصاء المركزي بشكل دوري.
لا بد من ربط الحد الادنى للاجور بالاداة التضخمية وسعر الصرف، مثلاً، تحديد آلية مراجعة شهرية أو ربع سنوية تستجيب لتغيرات التضخم وسعر الليرة مقابل الدولار.
دعم وتمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من خلال اعفاءات ضريبية او قروض ميسرة او دعم للرواتب عند زيادتها حتى لا تفرغ رفع الحد الادنى من مضمونه بسبب تسريح او تراجع نشاط الاقتصاد.
تعزيز الرقابة والتنفيذ، والتأكد من تسجيل العمال لدى الضمان الاجتماعي، ومن ان الاجور تدفع فعلياً بما يحدد، وليس مجرد رقم رسمي على الورق.
مشاركة اصحاب المصلحة، وزارة العمل والاتحاد العمالي العام والهيئات الاقتصادية، الجامعات ومراكز الابحاث، حتى يكون الحد الادنى شفافاً ومبنياً على بيانات ثابتة ومحدثة.
في لبنان اليوم، الحد الادنى للأجور أصبح بين شقي واقع مؤلم ومرتجى صعب التحقيق. على الرغم من الزيادات التي قامت بها الدولة مؤخراً لا يزال الاجر الرسمي أقل بكثير مما تطلبه الحياة الكريمة، خصوصاً مع التضخم الحاد، وتدهور قيمة العملة. إن سياسة الاجور العادلة يجب ان تعد من اولويات اي خطة إنقاذ اقتصادي او اجتماعي، لأن الاستقرار الاجتماعي وضمان مستوى معيشي لائق للعامل ليس ترفاً، بل هو اساس لإنعاش الاقتصاد وتحقبق العدالة والاستدامة.
د. أنيس بوذياب، عضو لجنة مؤشر غلاء المعيشة، عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






