كان أغنى رجل وأبخل رجل في المدينة

محمود الأحمدية |

يومها ... كنّا أطفالاً ... والمليونير الكبير من معارف المرحوم والدنا عندما كان يعمل في سلك الدرك في الشمال، وقبل أن ينتقل إلى شركة البيبسي كولا في بيروت. ومن الصدف الغريبة أن نُصاب بالحصبة أنا وأخوتي، والمرض معدٍ.

عرف صديق الوالد بمرضنا، وكنا في بلده شارون. وجاءنا الخبر السعيد أنه يريد زيارتنا، ويعمل واجبه نحونا. وأتذكر أننا نسينا المرض، وتعلّقنا بحلم استقبال أجمل ثلاث هدايا، على عدد المرضى. ومنّا مَنْ حَلِمَ بالدرّاجة، ومنّا مَنْ حَلِمَ بالساعة الذهبية. ومرّت الساعات ثقيلةً منتظرين قدوم المليونير. وكانت اللحظات السعيدة، والمفاجأة الصاعقة عندما وصل المليونير، ووضع صندوقاً صغيراً على الطاولة والغلاف الأخضر يحتويه برفقٍ وحنان. و"فخفخة" ورق السيلوفان، والشرائط الذهبية تجعل الهدية الواحدة تشرقط، وكأننا أمام ثلاث ساعات ذهبية، وذلك بعد أن يئسْنا من الدرّاجات. وكانت الوالدة تنبّهنا في تلك الأيام أنه من باب اللياقة عدم فتح الهدايا أمام المُهدي!! أي عكس تقاليد هذه الأيام الأقرب إلى القلب!! وما إن همّ الزائر الكريم بالمغادرة، ووصل إلى الدار، حتى هَبَشْنا أنا وإخوتي الصناديق، ونسينا مرضنا متلهفين للساعات الذهبية. فإذا بالصدمة تقع. كان هناك صندوقٌ فيه سمسمية، والآخر فستقية، والثالث "بيتي فور". أما الأوزان فلا تتجاوز 400 غرام .

حدّثنا الوالد عنه، وقال إنه كان أغنى رجل في مدينته، وأبخل رجل فيها! وتابع الوالد: كنت أراه يرتدي بذلةً واحدة لا يغيّرها في الصيف والشتاء! وكل ما كان يفعله في الشتاء هو أن يضع معطفاً فوقها! وكان يقيم في قصر ضخم، وكان يغلق كل غرف القصر ويفتح غرفة واحدة هي غرفة النوم، ويجلس فيها، ويأكل فيها، ويستقبل موظف مزارعه فيها . كان يرفض تقديم القهوة للضيوف، ويقول إن القهوة تقصّر العمر. وكان إذا ركب قطار سكة الحديد في تلك الأيام ركب في الدرجة الثانية.  ذلك لأنه كان من حقّه أن يحصل على اشتراكٍ في القطار باسم خادمه في الدرجة الثانية. فكان المليونير يركب بتذاكر اشتراك الخادم حفيده. ولولا ذلك لركب في الدرجة الثالثة. أخبرنا بعد ذلك المرحوم والدنا بأن المليونير توفاه الله، وورث ولده عنه عدة ملايين من الدولارات، وأراضٍ شاسعة. وأحبّ الوريث فتاة صغيرة السن، وكانت متلافة صروفيّة (مبذّرة) إلى درجة الجنون، وكريمة إلى درجة الجنون. وكانت تنفق في ليلةٍ واحدة ما كان ينفقه المليونير البخيل طول حياته!

أموال البخلاء يضيّعها السفهاء! وهكذا ضاعت الثروة، وضاع معها جاه ذلك المليونير! وتحطّمت شهرة وأسماء!