في وداع عبد الصمد... رفيق النضال باسم الاشتراكية ومُثُلها العليا

كريـم مـروة |

غادرنا قبل أيام إلى الأبد رفيق العمر والنضال نديم عبد الصمد بعد أن أنجز على امتداد حياته ما كان يعتبره بصدقٍ مهمته في النضال من دون هوادة من أجل حرية وطنه ومن أجل قضية الحق والعدالة الإنسانية باسم الاشتراكية التي انتمى إليها منذ شبابه الباكر.

غادرنا بصمت. وكان الصمت بالنسبة إليه في الأعوام الأخيرة من حياته ما اعتبره خلاصة تجربة طويلة انتهت بانهيار التجربة الاشتراكية وبانهيار القِيَم الإنسانية التي ارتبطت باسم كارل ماركس الذي كان يعتبر الإنسان القيمة الأساسية في الوجود. وكان يعتبر الفكر الذي يعبّر عن هذه الحقيقة، وسيلة وأداة في خدمة الإنسان مؤكداً في الآن ذاته أنّ هذا الفكر لا يمكن أن يكون ثابتاً، بل هو متغيّر على الدوام، بتغيُّر الشروط التاريخية.

وأشهد بأنّ نديم عبد الصمد الذي كان رفيق عمري منذ مطلع خمسينات القرن الماضي، كان على امتداد حياته، أميناً صادقاً في انتمائه إلى مشروع ماركس لتغيير العالم باسم الاشتراكية ومُثُلها العليا المتمثلة بالحرية والتقدم والعدالة الاجتماعية.

كانت البداية في علاقتي مع نديم عبد الصمد بالصفة والانتماء إلى الشيوعية، كانت البداية في عام 1950. كنت يومها عائداً من غربتي في العراق حاملاً معي شيوعيتي الرومانسية. وكان هو عضواً في الحزب الشيوعي اللبناني.

كان اللقاء الأول في بيروت في مطعم فيصل الذي كان يقع قبالة المدخل الرئيسي للجامعة الأميركية. ولهذا المطعم تاريخ عريق. إذْ كان يلتقي فيه طلاب الجامعة الأميركية من مواقعهم وانتماءاتهم المختلفة. يتناقشون فيتفقون ويختلفون، شيوعيين وقوميين عرب على وجه الخصوص. وما أكثر ما شهدت من تلك النقاشات والصراعات. لكنني أشهد بأنّ لقائي مع نديم في ذلك المكان وذلك التاريخ كان هدية ثمينة لي شاء القدر أن يقدمها لي. وكان إلى جانبه رفاق آخرون من اللبنانيين والعرب أذكر منهم باعتزاز، اللبناني كميل مجدلاني والأردني أمال نفاع، والسوداني أنطون قرنفلي. أما اللقاء الثاني مع نديم، باسم الصداقة التي ربطتني به في التاريخ الآنف الذكر، على قبر الشيوعي فرج الله حنين، شهيد النضال من أجل إنشاء الجامعة اللبنانية. جرى ذلك اللقاء في ربيع عام 1951 مع حشد كبير من الرفاق جاؤوا لوداع ذلك المناضل الشيوعي الكبير الذي كان قد خرج من السجن إلى القبر. وكان من بين الرفاق الذين صاروا رفاق عمر إلى جانب نديم عبد الصمد، كل من جورج البطل الذي غادرنا منذ عامين وألبير فرحات أطال الله عمره. ومن المفارقات التاريخية أنّ ذلك العام بالذات، كان العام الأول من حياة الجامعة اللبنانية. 

وفي العام الثاني (1952) جرى اللقاء الثالث مع نديم عبد الصمد. إذْ كنت قد انتسبت إلى الجامعة في ذلك التاريخ بعد أن أنجزت بصعوبة وأنا أمارس التدريس في بلدة شمسطار البقاعية المرحلة الثانوية التي مهّدت السبيل إليّ لدخول الجامعة. ومن طرائف تلك المرحلة أنّني بعد أن انتُخبت نائباً لفؤاد الترك رئيس أول رابطة طلابية بصفتي الشيوعية جاءني نديم عبد الصمد يطلب مني الانتساب إلى الحزب الشيوعي. وبعد التردد وتلبيةً لنصيحة الأديب رئيف خوري تقدمت بطلب الانتساب للحزب وكُلّفت على الفور بالمسؤولية عن المنظمة الطلابية في الحزب خلفاً لنديم الذي أُرسل إلى براغ ليتسلَّم منصباً قيادياً في اتحاد الطلاب العالمي باسم الطلاب العرب. ثم التحقت به في أواسط عام 1953 في مهمة أممية من النوع ذاته، عضواً في قيادة اتحاد الشباب الديمقراطي العالمي في بدوابست.

وأذكر أنني التقيت مع نديم من موقعي في الاتحاد في أكثر من مناسبة وكان أول لقاء لنا مع ياسر عرفات في ذلك التاريخ بصفته مسؤول منظمة الطلاب الفلسطينيين في مصر. وأذكر أنّ نديم عرّفني في أحد مؤتمرات اتحاد الطلاب العالمي إلى بيلّيكان التشيكي الذي كان رئيساً للاتحاد، ثم أصبح في عام 1968 أحد أبطال ربيع براغ بقياد رئيس الجمهورية التشيكوسلوفاكية آنذاك دوبتشيك. كما عرّفني إلى راوول كاسترو شقيق الزعيم الشيوعي الكوبي فيديل كاسترو الذي أصبح فيما بعد رئيساً للبلاد خلفاً لشقيقه. وعرّفني نديم في الآن ذاته إلى عدد غير قليل ممن أصبحوا قادةً في بلدانهم أخصُّ منهم بالذكر البلغاري تيلالوف الذي أصبح فيما بعد أحد الشخصيات التاريخية في الحزب الشيوعي البلغاري.

أهمية تلك اللقاءات الثلاثة التي أشرت إليها أنّها أسست لتلك العلاقة التاريخية لرفقة العمر والحياة والنضال باسم الاشتراكية ومُثُلها العليا على امتداد حياتنا ونحن على أبواب التسعين من العمر. لذلك فإنني أشعر أنّ قطعة مني ومن قلبي وروحي قد انفصلت عني برحيل نديم عبد الصمد. وكان نديم في الأعوام الأخيرة قد دخل في حالةٍ من الصمت العميق حاولت كثيراً في علاقتي اليومية معه أن أخرجه منها من دون أن أنجح، إذْ هو أصرَّ في البقاء على صمته معلناً لي بهمسٍ متواصل أنّه لم يعد يحب الحياة بعد أن فقدت بالنسبة إليه الكثير من معانيها. وكان صادقاً مع نفسه بعد أن كان قد أنجز تجربة غنية وحافلة بالنشاط على كل الجبهات في المهمّات التي كلّفه بها الحزب من مواقعه المختلفة وصولاً إلى موقعين، الأول نائباً للأمين العام للحزب شريكاً لي في العام 1987. ورئيساً للمجلس الوطني للحزب حتى عام 1999. ثم رئيساً للحزب اليساري الديمقراطي بعد أن خرج من الحزب الشيوعي في ما يشبه الاحتجاج والاعتراض على ما كان قد دخل وأُدخل فيه الحزب من أزمةٍ كانت في نظره تستعصي على الحل. 

إلاّ أنّ الحديث عن نديم وأنا أودّعه في حزنٍ ومرارة وأودّع معه جزءاً من حياتي المشتركة معه لا يقتصر على ما أشرت إليه من بداية ونهاية. فبين البداية والنهاية تاريخ حافل بالنضال قدّم فيه نديم للقضية التي انتمى إليها كل ما كان يملك من طاقات وكان شريكاً لي ولجورج حاوي وجورج البطل وغسان الرفاعي وعدد كبير من الرفاق في الثورة التي أطلقناها في منتصف الستينات من القرن الماضي من أجل تحرير الحزب مما كان قد أدخل عليه من بدع وأخطاء وخلل تتناقض مع القِيَم الإنسانية الرفيعة التي ارتبطت باسم كارل ماركس والتي كانت سائدة في الحركة الشيوعية. وبعد انتصارنا في ثورتنا الآنفة الذكر أدخلنا إلى الحزب سلسلة مما اعتبرناه تجديداً ضرورياً في فكر وسياسات الحزب لكي تتلاءم وتتطابق مع القِيَم الإنسانية في الاشتراكية ومع المُثُل العليا التي ترتبط باسمها. وبانتصارنا في تلك الثورة حققنا ما كنا نريد تحقيقه في المؤتمر الذي عقدناه في صيف عام 1968. والذي عبّرت عنه سلسلة من القرارات كان في مقدمتها، النضال من أجل تحقيق حكم وطني ديمقراطي في وطننا مرفق بدولة مدنية حديثة، دولة حق وقانون، مؤكدين في الآن ذاته، حرصنا على النضال من أجل تحقيق وحدة عربية ديمقراطية ومن أجل عالم تسود فيه المُثُل العليا المرتبطة باسم الاشتراكية.

منذ ذلك التاريخ واستناداً إلى تجربة ذينك العامين من الثورة (1966 – 1967) تحوّل نديم إلى بطل من الأبطال التاريخيين في حزبنا الشيوعي. والبطولة التي أشير إليها في حياة ونضال نديم يعبّر عنها ذلك النشاط الذي لم يعرف حدوداً في لبنان والعالم العربي والعالم أجمع. وكان من سماته وهو يمارس الأدوار والمهمات التي كُلّف بها أنّه كان صاحب أخلاق رفيعة، كان قد تلقاها وورثها هو وشقيقه عادل من والدهما سليمان عبد الصمد ومن خالهما الشاعر سامي أبو شقرا ومن جدّهما شيخ العقل، الشيخ محمّد عبد الصمد. وهي أخلاق تركها نديم لأولاده كما تركها شقيقه عادل لأولاده، وتركها نديم في الآن ذاته لمن تعامل معهم باسم حزبه الشيوعي. وكان من أبرز ما قام به نديم من مهمات من موقعه القيادي في الحزب نشاطه في الحركة الوطنية اللبنانية بقيادة الشخصية التاريخية المفكر الاشتراكي الكبير كمال جنبلاط الذي كان يصر في كل ما حملته كتبه العديدة، أنّ الطابع الإنساني في الاشتراكية هو الأصل، وكان باسم اشتراكيته تلك يعبّر عن نقده لبعض ما ارتبط من خلل في التجربة الاشتراكية لا سيما في الاتحاد السوفياتي الذي قلّده في عام 1970 جائزة لينين للسلام العالمي إلى جانب عدد من كبار الشخصيات السياسية والثقافية في العالم، وكان شريكه في الجائزة من لبنان المهندس المعماري أنطون تابت رئيس حركة السلم اللبنانية.

وكان نديم في الحزب وفي الحركة الوطنية من أكثر الذين دخلوا بعمق في العلاقة مع الدول الاشتراكية ومع الأحزاب الشيوعية في العالم العربي وفي العالم، ومع المنظمات الفلسطينية التي صارت تحمل في وحدتها اسم منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات. وباسم تلك العلاقة مع الفلسطينيين واستناداً إليها ومن موقعه في الحركة الوطنية اللبنانية تمَّ انتخابه في أواخر عام 1972 في المؤتمر العربي الذي عُقد في بيروت تحت عنوان "الجبهة المشاركة في الثورة الفلسطينية"، انتُخب أميناً للسر فيها، وانتُخب كمال جنبلاط رئيساً لها. وباسم تلك الجبهة جرت كثرة من النشاطات دفاعاً عن القضية الفلسطينية ودعماً للثورة الفلسطينية. وتخلَّل تلك النشاطات بعض النقد من قِبَل حزبنا لبعض الممارسات الخاطئة للمنظمات الفلسطينية في لبنان التي كان يعتبرها الحزب الشيوعي متعارضة مع دورها ومع القضية الفلسطينية بالذات، من دون أن يقلل ذلك النقد من دعمنا للقضية الفلسطينية وللثورة باسمها. كان من نتائج تلك الأعمال والممارسات الخاطئة أنّها جعلت إسرائيل تأخذ منها حجّة إلى جانب حجج أخرى لكي تقوم بغزوها للبنان في عام 1982. وهو الغزو الذي اقترن بكفاحٍ مشترك ضده بين الوطنيين اللبنانيين والفلسطينيين. وهو الغزو الذي أدى إلى اتفاق فيليب حبيب الذي قضى بدوره بإخراج المقاومة الفلسطينية من لبنان إلى تونس البلد الذي اختاره ياسر عرفات لممارسة نشاط المقاومة.

وكان تأسيس "جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية" ضد الاحتلال الإسرائيلي التي أسّسها الشيوعيون والتي أطلقها جورج حاوي ومحسن إبراهيم بصفتيهما الحزبية من منزل القائد الشهيد كمال جنبلاط. وباسم تلك الجبهة بالذات تحوَّل لبنان من أقصاه إلى أقصاه إلى ميدانٍ للمعركة من أجل تحريره من الاحتلال، حقق فيها أبطال المقاومة دحر قوات الاحتلال بفعل مقاومتهم في عام 1985 إلى ما صار يُعرف بالشريط الحدودي.

لم يشترك نديم مثلي في العمل المقاوم الذي كان له أبطاله لكنه شارك في المقاومة بالسياسة مثلي، وجال في أرجاء العالم كما فعلتُ أنا بالذات، باسم قضيتنا اللبنانية وباسم قضايانا العربية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية وباسم أُمميتنا التي أعطيناها وفق قناعاتنا ووفق فكرنا الاشتراكي معنىً ووظيفةً وهدفاً مختلفين عمّا كان سائداً في الاشتراكية نقيضاً لقِيَمها الإنسانية ومُثُلها العليا.

أودّع بأسى وألم وحزن رفيق العمر والحياة والنضال نديم عبد الصمد وأقول له بصدقٍ أنّه سيظل يعيش في الذاكرة والوجدان إلى آخر العمر.