لبنان ست سنوات من الانهيار بلا بوصلة إصلاحية
29 أيلول 2025
18:15
Article Content
أزمة غير مسبوقة
منذ خريف 2019، يعيش لبنان واحدة من اعنف الأزمات الاقتصادية والمالية في تاريخه. البنك الدولي وصفها بأنها "من بين أشد ثلاث أزمات على مستوى العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر". ست سنوات مرت، وما زال الانهيار يتعمق في ظل غياب خطة شاملة للتعافي، وتراكم خسائر تقدر بعشرات مليارات الدولارات.
من تعليق السداد الى العزلة المالية
في اذار 2020 اعلنت الحكومة تعليق سداد ديونها السيادبة بالعملات الاجنبية، البالغة حينها 31 مليار دولار. لكن الاعلان لم يترافق مع خطة لإعادة الهيكلة أو تفاوض جدي مع الدائنين. النتيجة كانت عزلة مالية دولية وفقدان الثقة بالمؤسسات. اليوم يقدر حجم الدين العام اكثر من 140 % من الناتج المحلي، في وقت توقفت الدولة عن السداد داخلياً وخارجياً.
قطاع مصرفي مشلول وودائع محتجزة
قبل الازمة، بلغت الودائع في المصارف نحو 170 مليار دولار، أي ثلاثة اضعاف حجم الاقتصاد. اما اليوم، فهي عملياً عالقة مع فرض قيود غير رسمية على السحوبات والتحويلات منذ 2019 وحتى اللحظة، بإنتظار اقرار قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع الموعود في الاسابيع القليلة المقبلة وذلك بحسب الوعود الرسمية. غياب الاصلاحات أبقى القطاع المصرفي مشلولاً، وافقد اللبنانيين ثقتهم بمصارفهم، فيما مئات الاف العائلات تعيش على فئات مدخراتها.
مالية عامة بلا رؤية
بالرغم من الالتزام بالمواقيت الدستورية بإعداد الموازنة العامة للعام القادم 2026 واحالتها الى المجلس النيابي، هذه الموازنة كما الموازنات السابقة المتعاقبة لم تحمل طابعاً اصلاحياً. فهي بقيت موازنات تقليدية تكرس الانفاق الجاري. الرواتب والاجور تستحوذ على نحو نصف الانفاق، بينما لا يتجاوز الاستثمار في البنى التحتية او القطاعات 5 % . في المقابل، نراجعت الايرادات الضريبية الى اقل من 15 % من الناتج المحلي، مقارنةُ ب 23 % قبل الازمة. علماً انه في الدول ذات الدخل المتوسط تشكل الايرادات الضريبية اكثر من 30 % من الناتج المحلي. والنتيجة: عجز مزمن يتجاوز 7 % بلا خطة واضحة للتصحيح واعادة التوازن.
اتفاق مؤجل مع صندوق النقد
في نيسان ابريل 2022، توصل لبنان الى اتفاق مبدئي مع صندوق النقد للحصول على 3 مليارات دولار. لكن الاتفاق بقي على الورق، لم ينجز لبنان أياُ من الشروط المطلوبة في حينه. بعد انتخاب رئيس جديد في لبنان في كانون الثاني من العام الحالي 2025 وتشكيل حكومة جديدة في شباط من العام نفسه، استأنفت الحكومة اللبنانية المفاوضات مع صندوق النقد وكانت الجولة الخامسة في النصف الثاني من شهر ايلول الحالي وذلك دون ان يحصل تقدم ملموس في المفاوضات، بالرغم منان لبنان اقر بعض القوانين الاصلاحية المتعلقة برفع السرية المصرفية وفانون اصلاح واعادة هيكلة القطاع المصرفي مع وقف تنفيذ الفانون الاخير لحين اقرار قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، الذي يعتبر العقدة الاساسية في الوصول لاتفاق مع صندوق النقد، بالاضافة لاعادة هيكلة وجدولة الدين العام واعداد موازنة اصلاحية شفافة. تقرير الصندوق الاخير شدد على ان التأخير في الاصلاحات يزيد من كلفة التعافي ويفاقم الخسائر، على امل ان يحدث الوفد اللبناني المفاوض في دورة الخريف في الاسبوع الثاني من شهر تشرين الاول للعام الحالي اختراقاٌ في المفاوضات في حال تم اقرار قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع اقله على مستوى مجلس الوزراء.
المجتمع يدفع الثمن
لقد تركت الازمة اثاراٌ كارثية على المجتمع اللبناني، اذ ان اكثر من 80 % من اللبنانيين يعيش تحت خط الفقر المتعدد الابعاد، وذلك بحسب تقرير الامم المتحدة.
-البطالة في لبنان تخطت ال 33 % من اللبنانيين معظمهم من فئة الشباب.
-الليرة اللبنانية فقدت اكثر من 95 % من قيمتها منذ العام 2019
-اسعار المواد الغذائية ارتفعت بأكثر من 400 %
-كلفة الحرب الاسرائيلية على لبنان منذ طوفان الاقصى حتى اليوم تجاوزت 14 مليار دولار
التحويلات من المغتربين والتي بلغت حوالي 7 مليار دولار شكلت شريان الحياة الاساسي بالاضافة الى نمو ملحوظ في صيف العام 2025 للقطاع السياحي، لكن هذا النموفي القطاع السياحي وهذه التحويلات لا يكفيان لانقاذ اقتصاد مترنح، و لتعويض خطة اقتصادية شاملة.
أي مستقبل؟
بعد ست سنوات من الانهيار، يواجه لبنان خطر "التطبيع مع الازمة"، حيث يعتاد المجتمع على اقتصاد نقدي هش قائم على الدولرة والتحويلات مع خطر وضع لبنان على اللائحة السوداء، في ظل قطاع مصرفي معطل ومالية عامة غير قابلة للاستدامة. من دون اصلاحات بنيوية جذرية، يبقى الحديث عن تعاف اقتصادي مجرد وهم.
السؤال الاهم والاكبر يظل مطروحاً، هل يستطيع لبنان ان يفرض على نفسه مساراً اصلاحياً توافقياً يفتح الباب امام الدعم الدولي واستعادة الثقة، ام أن الازمة ستبقى مفتوحة على سيناريوهات اكثر قسوة، حيث يترك الاقتصاد ليتآكل تدريجياً على حساب المجتمع وما تبقى من الطبقة الوسطى؟
*عضو هيئة مكتب المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






