وتبقى مص

غازي العريضي |

زائر القاهرة يلفته أمران متلازمان. الأول، حالة النهوض والنمو والتطوير التي يعيشها الاقتصاد المصري (رغم التحديات الكبرى التي تعيشها البلاد) الظاهرة في مجالات معالجة مشكلة الكهرباء حيث بات لدى مصر فائض كبير بإمكانها أن تصدّره الى الخارج، وشبكة الاوتسترادات التي تسهّل عملية الانتقال بين المدن والمحافظات والتي هي جزء من مشروع متكامل خططه مرسومة ومعدّة للتنفيذ، وتوسيع قناة السويس والمردود المالي الذي يوفّره للدولة، والبدء بحل مشكلة العشوائيات من خلال خطة واضحة نفذ قسم أساسي منها بنجاح من طريق بناء مساكن لقاطني العشوائيات، في مناطق جديدة فيها البنى التحتية وكل المقومات الضرورية من طرق الى مستوصفات ومدارس ومستشفيات وتسلّم المساكن للمعنيين مفروشة مجهزة مما يوفّر وضعاً معيشياً كريماً لهم من جهة، ويسمح للدولة بالاستفادة من الأراضي التي كانوا يقيمون عليها لتنفيذ مشاريع وفق رؤية تأخذ بعين الاعتبار تحريك الوضع الاقتصادي والاستثمار في البلاد وتعزّز السياحة وتتحسب لـ "عدّاد الازدياد السكاني" من جهة ثانية. ويضاف الى ذلك استثمارات الغاز الكبرى التي تريح مصر وبناء العاصمة الجديدة. كل هذا ساهم ويساهم في تخفيض نسبة البطالة وتوفير فرص عمل ووقت، وزيادة إنتاجية في حركة النقل وجذب استثمارات في مجالات الصناعة والزراعة والتكنولوجيا وغيرها وغيرها من المشاريع. 

أما الأمر الثاني فهو سياسي بامتياز. في القاهرة تشعر اليوم أنك أمام حركة سياسية مفتوحة في كل الاتجاهات وقراءة واقعية للأحداث والتطورات، وخطوات مدروسة. وهذا ما لمسناه في الزيارة الأخيرة برفقة الزعيم الوطني وليد جنبلاط وخلال اللقاء مع الرئيس عبد الفتاح السيسي. 

نعم، كان نقاش واضح صريح شامل كل القضايا والشؤون التي تعيشها منطقتنا والعالم. القيادة المصرية ملمّة بها بتفاصيلها ومدركة دور مصر وحضورها في أفريقيا وانحائها، وعلى حدودها حيث المتاعب والمصاعب والتهديد من ليبيا الى السودان، والقضية الفلسطينية المركزية وموقف مصر مع شعبها وحرية قراره، إنسجاماً مع القرارات الدولية بإقامة الدولة الفلسطينية وحدودها الـ 67 وعاصمتها القدس، والحرص على وحدة الموقف الفلسطيني بين كافة القوى والفصائل رغم ما تعرضت وتتعرض له مصر من استهدافات أحياناً، وصولاً الى حرب اليمن والموقف العقلاني الواقعي منها، مروراً بالعراق وسوريا، وموازين القوى في المنطقة، أمام الحضور الإيراني الكبير المتقدم فيها، وختامها لبنان الذي تتابع مصر وقيادتها أوضاعه بدقة وتحرص على وحدته وأمنه واستقراره والتوازن فيه وتعزيز العلاقات معه، وهي الدولة التي ومن خلال علاقاتها مع دول كبرى معنية بأوضاع بلدنا، من روسيا الى أميركا وبريطانيا وفرنسا، والدول العربية واسرائيل حتى، كان لها دور وحضور ومواكبة لكل التحديات التي نعيشها، وآخر فصل العدوان الاسرائيلي على الضاحية، وجهد مصر لعدم الانزلاق الى حرب مفتوحة مدمرة. 

هذه الحركة السياسية المصرية، هذه القراءة الواضحة والمتابعة الدقيقة، والحرص على الإنتماء العربي، وتأكيد أهمية الحل السياسي في سوريا لتستعيد سوريا الجديدة دورها وموقعها على الساحة العربية فيعود أهلها النازحون إليها وتكون شراكة بين بعضهم ضمن إطار هذا الحل، والحرص على لبنان أيضاً، أولوية في حسابات القيادة المصرية.

كل هذه المؤشرات والوقائع تؤكد أن مصر كانت وستبقى الشقيقة الكبرى القادرة على لعب دور فاعل لا ينازعها عليه أحد وأن حضورها على الساحة العربية وفي لبنان يحمي الاستقرار والأمن والتوازن إذا كان تفاعل معها . وسيبقى رهاننا على هذا الدور قائماً نتطلع إليه ونستمد أملاً منه، نتفاعل معه، ولنا تاريخ طويل من العمل المشترك والنضال العربي مع مصر.

فأطيب التمنيات لها ولشعبها والى مزيد من التقدم والاستقرار والازدهار والحضور الفاعل وكل الشكر لرئيسها عبد الفتاح السيسي على استقباله الزعيم الوطني وليد جنبلاط واللفتات الكريمة النبيلة التي صدرت من قبله تجاهه تقديراً لمواقفه ودوره الفاعل والمؤثر في الحياة السياسية اللبنانية.