تبقى العبرة بالتنفيذ!

د. أنيس بو ذياب |

تأتي اجتماعات بعبدا الاقتصادية في الآونة الأخيرة، والتي عُقدت بدعوةٍ من رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، في مرحلة اقتصادية دقيقةٍ جداً يمرّ بها لبنان. عُقدت تلك الاجتماعات على مستوى الخبراء في شهر آب المنصرم، وتوّجت في الثاني من أيلول الحالي باجتماعٍ على مستوى رؤساء الأحزاب، وبحضور رئيسَي مجلس النواب والوزراء بالإضافة إلى وزراء المال والاقتصاد، وحضور حاكم المصرف المركزي، ورئيس جمعية المصارف. وشكّل تغييب المجلس الاقتصادي والاجتماعي عن هذه الاجتماعات خطوةً غير مفهومة، خصوصاً وأن هدف إنشاء هذا المجلس هو العمل على وضع سياسات اقتصادية واجتماعية للبنان.

جاءت هذه الاجتماعات بعد تقارير مؤسّسات التصنيف الدولية. لقد خفّض تقرير فيتش التصنيف الائتماني للبنان، كما حذّر تقرير ستاندرد آند بورز من التخفيض خلال الستة أشهر المقبلة إذا لم يتحسّن الوضع.

لا شك أن هذه الاجتماعات مهمةٌ لأنها استعرضت بالأرقام خطورة الوضع الاقتصادي في الورقة المعدّة من قِبل وزير الاقتصاد ومجموعة الخبراء، حيث اعترف المسؤولون بأننا لم نعد نملك ترف الوقت، وتخلصوا من أسلوب النعامة التي تخبئ رأسها في الرمال هرباً من مواجهة المشكلة.

لقد دأبت معظم القوى السياسية منذ انتهاء الانتخابات النيابية في أيار 2018، على وضع أوراقٍ اقتصاديةٍ لمعالجة المشكلة القائمة. نذكر من هذه الأوراق تلك المقدمة من قِبل الحزب التقدمي الاشتراكي، والورقة المعدّة من قِبَل اللجنة الاقتصادية العامة في المجلس الاقتصادي والاجتماعي، إضافة إلى ورقة الأحزاب التي أُعدّت بمبادرةٍ من المجلس الاقتصادي والاجتماعي، والورقة المعدّة من قِبَل خبراء اقتصاديين بطلبٍ من فخامة رئيس الجمهورية  والتي تمّت مناقشتها في اجتماع بعبدا الاقتصادي تحت عنوان "مقترحات إجراءات إصلاحية أولية لمواجهة الأزمة". 

أجمعت هذه الأوراق على محورية نفقات الموازنة في التأسيس للمشكلة الاقتصادية القائمة. إن انفاق الموازنة ينقسم بشكل أساسي على خدمة الدَّين العام، ورواتب وأجور القطاع العام، وسلفات مؤسّسة كهرباء لبنان، إضافة إلى جزءٍ ضئيلٍ لا يتعدى 10 % من النفقات الاستثمارية. كما أن إيرادات الدولة لا تغطي النفقات الأولية، لا بل هناك عجزٌ في الموازنة مقداره 6,25 مليار دولار للعام 2018، ومن المقدّر أن يكون بأفضل الحالات حوالي 4,5  مليار دولار للعام الحالي 2019. 

لقد أجمعت كل الأوراق الصادرة عن أهل الاختصاص والسياسة على أن حلّ المشكلة يكمن في زيادة الإيرادات وخفض النفقات. غير أن جوهر الخلاف هو في كيفية تحقيق ذلك. يطرح البعض مقارباتٍ شعبوية للموضوع، بينما يقدّم البعض الآخر حلولاً تأتي على حساب التقديمات الاجتماعية. إن كل اقتراحات الحلول المطروحة تؤدي إلى تحسين المالية العامة، وإن كانت هذه الاقتراحات تحتاج إلى فتراتٍ زمنية متفاوتة لتأمين التوازن في المالية العامة. لكن يبقى السؤال الأساسي هو: هل أن التحسّن في المالية العامة سينعكس، تلقائياً، تحسناً في الوضع الاقتصادي؟ 

 أشكّ في أن التحسّن في المالية العامة سينعكس إيجاباً على الاقتصاد الوطني لأنه يعتمد بشكلٍ أساسي، على زيادة الضرائب، وعلى الاقتطاعات من الرواتب والتقديمات الاجتماعية مما سيؤدي إلى تراجع القدرة الشرائية وخفض الاستهلاك، وسيأخذ الاقتصاد من الانكماش إلى الكساد، خاصةً وأن معدّل النمو الحالي سلبي.

برأيي أن الحل يكمن في التالي:

•    الالتزام بتطبيق موازنة ال 2019، وإقرار موازنة ال2020  قبل نهاية العام الحالي 
في باب الإيرادات:

-    رفع الإيرادات عبر تحسين الجباية، وضبط التهريب عبر المعابر الشرعية وغير الشرعية، والمقدّر بمليار ونصف مليار دولار، لا عبر رفع الضريبة.

-    رفع مستوى الإيرادات الإجمالية من الناتج المحلي. تشكّل الإيرادات حالياً 20% من الناتج المحلي مقارنة ب26% في الدول النامية، و36% في الدول المتقدمة.
في باب النفقات:

-    لقد استنزفت مؤسّسة كهرباء لبنان في السنوات السبع الأخيرة 10 مليارات دولار، قُدّمت كسلفاتٍ من الحكومة للمؤسّسة دون تحقيق أي تقدمٍ ملموس في حلّ المشكلة. إن الإسراع بتطبيق الخطّة المقّدمة أكثر من ضروري، مع الالتزام بالشفافية وتطبيق القوانين بغية الحدّ من النفقات.

-    تخفيض خدمة الدين العام الذي لا يمكن أن يتمّ إلّا عبر تخفيض معدّلات الفائدة، وذلك يتطلب المزيد من الشفافية والاستقرار السياسي والأمني الذي يشجّع على الاستثمار ويخفّض العجز في ميزان المدفوعات.

إن مقاربة المشكلة بهذه الطريقة تسمح بتخفيض العجز بالموازنة دون المساس بالقدرة الشرائية. ومن الضروري أيضاً تنفيذ قانون الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والعمل على تنشيط القطاعات الإنتاجية عبر تشجيع الاستثمار في مختلف تلك القطاعات مما يؤدي إلى رفع نسب النمو في الناتج المحلي، ويساعد في السيطرة على نمو الدين العام.

ختاماً، إن مفتاح الحل يكمن في قرارٍ حاسمٍ وإرادة وطنيةٍ جامعةٍ للخروج من الأزمة، وذلك عبر اتّخاذ إجراءات فورية، والأهم تنفيذ الإجراءات المتّخذة. من شأن ذلك أن يبعث للمجتمعَين المحلّي والدولي إشارات إيجابية توحي بمقاربة الدولة للمشكلة بجدية، مما يؤدي إلى الإسراع بتنفيذ مقررات "سيدر". 

على لجنة الطوارئ الاقتصادية برئاسة رئيس مجلس الوزراء، والتي انبثقت عن اجتماع بعبدا الاقتصادي الأخير، أن تكون المحرّك الأساسي في هذا الاتّجاه، وتبقى العبرة دائماً في التنفيذ!


*بروفيسور في الاقتصاد في الجامعة اللبنانية
*عضو هيئة مكتب المجلس الاقتصادي والاجتماعي