التاريخ لن يُكتب بالشعارات الغاضبة
21 آب 2025
15:01
Article Content
لم تكن السويداء يومًا ساحةً لتبادل التهم بين أبناء البيت الواحد، بل كانت عبر التاريخ رمزًا للكرامة والعنفوان، وقلعةً للمواقف الوطنية الراسخة. لكن ما شهدناه مؤخرًا من رفع شعار "خيانة" في وجه الزعيم وليد جنبلاط، ليس سوى حلقة من مسلسل التحريض الممنهج الذي تتبناه جهات مشبوهة لتشويه الحقائق وتفتيت الصف.
الحملة التي أُطلقت ضد وليد جنبلاط لم تأتِ من فراغ، بل جاءت نتيجة خطابه الواضح الداعي إلى التهدئة، التمسك بالوحدة، ونبذ مشاريع الانقسام والتفتيت. جنبلاط دعا علنًا إلى مصالحة برعاية الدولة السورية، وإلى ضبط الأمن وتشكيل لجنة تحقيق، مؤكّدًا أن الدروز في لبنان وسوريا جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني والقومي. هذا الموقف المتوازن لم يرق لمن يسعون إلى تغذية الصراع، فوجدوا في التخوين وسيلة رخيصة للنيل من رمز درزي وطني عابر للطوائف.
كيف يُخوَّن وليد جنبلاط، وهو الذي كان في مقدمة من واجه الاحتلال الإسرائيلي ودفع أثمانًا سياسية وشخصية في هذا المسار، بينما يُسمح برفع العلم الإسرائيلي في ساحات يُفترض أنها عنوان العزة والكرامة؟ أي منطق مشوَّه هذا الذي يجعل من حاملي راية العدو رمزًا للنقاء، ويحوّل المقاومين والمتمسكين بخط العروبة إلى "خونة"؟ إن من يرفع علم إسرائيل فقد شرعيته الوطنية، ولا يحق له أن ينصّب نفسه قاضيًا يوزع صكوك البراءة أو الخيانة.
منذ عقود، كان وليد جنبلاط يقرأ التحولات الإقليمية بواقعية، ويوازن بين الكرامة السياسية ومتطلبات حماية الطائفة والوطن. لم يسعَ يومًا إلى الانعزال أو الارتهان، بل إلى إدماج الدروز في قلب الدولة، في لبنان كما في سوريا. ومواقفه في أحلك الظروف أثبتت أنه اختار دائمًا المصلحة الوطنية على المكاسب الشخصية أو الخطابات الشعبوية.
إن حملات التخوين لم ولن تغيّر من الحقائق شيئًا. فالتاريخ لن يُكتب بالشعارات الغاضبة، بل بالمواقف الفعلية والتضحيات. من يتطاول على جنبلاط اليوم بدعوى "الخيانة" إنما يكشف عجزه عن تقديم مشروع واضح أو بديل وطني، فيلجأ إلى أسهل الطرق: الصراخ والاتهام.
ورغم المجازر والجراح التي نزفتها السويداء وأهلها على مدى سنوات من الدم والمعاناة، لم ينكسر صوتها الحقيقي، ولم يسقط رمزها الوطني. إن تحويل الساحة التي ارتوت بالدماء إلى منبر للتخوين يسيء لدماء الشهداء قبل أن يسيء إلى وليد جنبلاط. ومن يلوّح بعلم إسرائيل في ساحات الكرامة، فقد سلخ عن نفسه ثوب الشرف، ولا يحق له أن يفتح فمه بكلمة تخوين في وجه من كرّس حياته للدفاع عن الأرض والكرامة.
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






