وسائل تواصل أم "تفاصل" اجتماعي؟

بسام سامي ضو |

 تُعرّف الفلسفات معنى "الوصْل" بأنه خلاف الفصل والهجران، وتضيف أن التواصل يعني "الاتصال والصلة والترابط والالتئام والجمع والإبلاغ والانتهاء والإعلام".. 
يسهم التواصل في نقل المعلومات بين الأفراد، عبر وسائل مختلفة تتحدّد وتتبدل تبعاً لتكوين كل مجتمع والمتاح فيه من قوانين وفضاء تعبير؛ وتكمن قيمته ليس في نقل الفرد معلومةً يملكها إلى آخر فحسب، بل في استقبال الآخرين لها وتبادلهم الآراء والأفكار حولها، وطرحهم القناعات والمشاعر المختلفة والمتناقضة حيالها، وصولاً إلى توافق أو اختلاف، من دون أن تلغي هذه النتيجة الأخيرة قيمة التواصل أو تقلل من شأنها. 
يقول الناقد والأديب الروسي رومان أوسيبوفيتش جاكوبسون (1896- 1982)، وهو عالم ألسنية، إن وظيفة اللغة هي التواصل، وإن بنيتها هي التي تتيح لها أن تؤدي وظيفتها الأساسية، من أجل تناقل المعلومات بين مستخدمي اللغة، وهو بذلك أخرج التواصل من كونه ظاهرةً ألسنية، إلى مفهومٍ شامل وحاضر في الأشكال والعلاقات الإنسانية والنفسية، كما في التربية والسياسة والثقافة والفنون. 
في المقابل، يعتبر الفيلسوف وعالم الاجتماع الأميركي جورج هيربرت ميد (1863- 1931) أنّ "عقل الفرد لا يمكن أن يتكوّن إلا في وجود العقول الأخرى المحيطة به، ذات المعاني المشتركة"، مشيراً بذلك إلى أثر الآخرين في تكوين الأنا عند الفرد، وفي تشكيل هويته وبناء شخصيته؛ ومن هنا أهمية التواصل لمختلف مضامين التفاعل، في المجالات النفسية والاجتماعية والفكرية. 
ويخلص الفيلسوف وعالم الاجتماع الألماني المعاصر يورغن هابرماس (مواليد 1929)، إلى أن لكل لفعل صورتين: الاستراتيجية والتواصل، مضيفاً أنّ الأولى تتضمن فعلاً إلغائياً عقلانياً، في حين يرمي فعل التواصل للوصول إلى الفهم، وتترتب عليه عقلانيةٌ واقعية، أو معيوشة، تستلزم نسقاً اجتماعياً ديموقراطياً، قوامه الحوار والمناقشة وسيادة مفهوم قبول الآخر وآرائه، من دون استبعاد أو إلغاء أحد.
فأين نحن من كل هذا؟ وكيف تراه الواقع "التواصلي"، ولاسيما في عالمنا العربي؟ وكيف ترانا نوظف أو نستغل أو نستفيد من هذه المساحة غير المسبوقة من فضاء التعبير المتاحة للجميع، وخارج أسوار القيود تقريباً؟ 
في أيامنا هذه، يخضع التواصل وأدواته الإعلامية إلى ضغوطٍ متزايدة، مع تعدد الوسائط والمصادر، وشبه انعدام القدرة على تمييز غثّها من ثمينها وإمكانية الحكم على مصداقيتها، قبل نشرها والتفاعل مع تأثيراتها- بعد فوات الأوان في الغالب- والأمثلة على ذلك لا تحصى.
إذا كان المجتمع الغربي أجاد إلى حدٍّ كبير استغلال وسائل التواصل الاجتماعي بما يخدم مسمّاها؛ وإذا كانت هذه الوسائل ردمت فجوةً تعاني منها المجتمعات هناك، ونعني بها شبه انعدام التواصل بين الناس، من الجيران إلى أفراد الأسرة الواحدة، فإنّ البعض في عالمنا العربي- كي لا نعمّم- أحالها إلى "قوقعة تواصل"، وإلى جزيرةٍ ينأى بها، ومَن معه من الشبيهين به، عن الآخرين وعن التواصل وبالتالي التفاعل معهم؛ أما إذا حدث ذلك، فيكون سلبياً في الغالب.
يكفي أن تراقب صفحة أحدهم في موقع "الفايسبوك" اليوم، وتطّلع على لائحة "الأصدقاء" فيها، ليتبيّن لك أنها مكوّنةٌ من مجموعةٍ صافية، أو شبه صافية من الأشخاص الذين يجمع بينهم في الغالب الانضواء تحت عنوانٍ أو اهتمامٍ مشترك، قد يكون "الفن" أو "الهواية" أو "السياسة" أو "الرياضة"، وما إلى ذلك.. الصفحة ذاتها تُحوّل الموجودين فيها إلى جماعةٍ متشابهة متجانسة متآلفة، لا يتردد كلُّ فردٍ فيها في "دعم وتأييد" أفكار وآراء "رفاقه" فيها، بشكلٍ تبادلي، عبر "الإعجاب" و"التعليق"..
هنا وحدها الوجوه تختلف، فيما تتقارب الآراء وتتوافق وتكاد تتطابق، فهذا مبرر وجود هذا صديقاً في الصفحة، وإقصاء ذاك عنها.. هنا كلُّ مجموعةٍ تمارس "عزلةً" مجتمعية اختارتها طوعاً وعن سابق تصوّر وتصميم، فرسمت حدودها السياسية أو الثقافية أو الأدبية أو الفنية أو الترفيهية، مانحةً المنضوين تحت لوائها جواز عبورٍ إليها، وحقاً مشرّعاً في الإقامة الدائمة في ربوعها- ما داموا "مؤمنين" بها وبشعاراتها وبقناعات مؤسسها أو صاحبها- كما تمنحهم كامل الحرية في التعبير عن "إعجابهم" الدائم والضروري والطبيعي بما يكتبه أعضاؤها، وبالتالي الموافقة عليه، وحق الدفاع عنه والتصدي لكل من تسوّله نفسه محاولة اختراق حصانتها، فنراهم لا يترددون في كيل التعليقات الهجومية على كل مخالفٍ لرأيهم، تماماً كأنهم في حربٍ، يطلقون الرصاص على كل من يجرؤ فيحاول تجاوز منطقةٍ ليست بمنطقته، أو يخالف رأياً يجمعهم!
صفحات مواقع التواصل الاجتماعي تعكس طبيعتنا المجتمعية وتصرفاتنا القبلية الغالبة.. فنرى في الصفحة قائداً للمجموعة المختارة، كي لا نقول "المنعزلة"، هو صاحبُها حكماً، يرحّب بمن يشاء، وينفي من يشاء ويلغيه من الوجود موقتاً أو إلى الأبد، تبعاً "للجرم" الذي ارتكبه.. فيما الجماعةُ "التابعة" تشعر بالطمأنينة والصفاء الداخلي وبالانتماء الخالص الذي يذكّر بالأمن الذاتي للمجتمعات في فترة الحروب.. وللصفحة مرجعٌ أعلى، وفيها المستشار، والقاضي، وهيئة الاتهام، وحتى "سرايا الدفاع" والوحدات الهجومية! وفيها بالطبع المتعصب الرافض لكل دخيلٍ أو متطفل، غير المتردد في التهجم المباشر عليه، بلغةٍ تتفاوت ين راقيةٍ مستندة إلى وقائع، و"زقاقية ميليشياوية" لا تخلو من سبابٍ وتهديد.. وثمة المنتمي إلى هذه المجموعة عن كامل قناعة، فيما غيره منتمٍ إليها بفعل القربى أو التعاطف أو الإعجاب، أو بحثاً عن منبرٍ يعكس "أفكاره"، وعن "قائدٍ" يتولى التعبير عنه وقول ما قد لا يجيد هو قوله، أو يجرؤ على التعبير عنه.. وثمة "المشبوهون" المشكوك بانتمائهم إلى "الجماعة"، والموضوعون تحت الرقابة الدائمة، استناداً إلى سيرتهم الذاتية و"مواقعهم" ومواقفهم السابقة، إلى جانب الدخلاء أو "العملاء" الحقيقيين الذين يتسللون إلى صفحة المجموعة بهدف "اختراقها" والاطلاع على "استراتيجيتها" وتزويد "مرجعيتهم" بالمعلومات اللازمة عن أفرادها والنشطاء فيها، وربما لاحقاً "تفجيرها" من الداخل، من خلال "هجومٍ فيروسي" مباغت!
إذا كان هابرماس حاول توصيف فضاء التواصل باعتباره "فضاءً للديموقراطية والحرية والتسامح، وأداةً لنبذ العنف المادي والعقائد المتحجرة والأيديولوجيات المغلقة، تأسيساً لسلطة التفاعل الإيجابي والبنّاء بين أفراد الشعب"، فالواقع أنه- في عالمنا العربي، وبصورةٍ عامة- لا تلعب وسائل التواصل الاجتماعي الدور المنوط بها، بل تسهم في نقيضه، إذ تجمع أفراداً من لونٍ واحد، ضمن تجمعاتٍ تحصّن ذاتها، وتعزل نفسها عن المجموعات الأخرى التي تقوم هي الأخرى بالمثل، وكلٌّ من هذه المجموعات يشحذ أفكار وهمم الأفراد فيها بما يراه هو الأنسب والصواب، ويشحن نفوسهم ضد الغير، أي "الآخر"، في انعكاسٍ حداثيّ متبادل لتفكيرٍ متقوقع، على مواقع يُفترض أنها للتواصل..