الآثار السلبية لتأخير الاصلاحات على الاقتصاد اللبناني
13 تموز 2025
10:24
Article Content
يعيش الاقتصاد اللبناني منذ سنوات أزمة عميقة غير مسبوقة، صنفت بأنها واحدة من اكبر ثلاث ازمات عالمية خلال القرن ونصف القرن الماضيين، تعود جذور هذه الازمة الى تراكم سياسات مالية ونقدية غير مستدامة، وانعدام الشفافية والحوكمة. وقد زادت هذه الازمة تفاقماً بسبب التأخير المستمر في تنفيذ الاصلاحات الضرورية التي طالبت بها المؤسسات الدولية بدءً من باريس واحد والتي تعد شرطاً اساسياً لاستعادة الثقة وضمان الاستقرار المالي والاقتصادي.
أبرز نتائج التأخير في الاصلاح:
1 – استمرار الانكماش الاقتصادي: أدى تأخر الاصلاحات الهيكلية على سبيل المثال (اصلاح القطاع المصرفي، واعادة هيكلة الدين العام، وتحسين اداء وانتاجية مؤسسات القطاع العام) الى استمرار حالة الركود والانكماش والى غياب مصادر لتمويل الاقتصاد. فبدون اصلاحات حقيقية، يبقى الاقتصاد عاجزاً عن جذب الاستثمارات الداخلية والخارجية، مما ينعكس بشكل مباشر على معدلات النموالتي ظلت سلبية او شبه معدومة ما ادى الى تراجع الناتج المحلي الاجمالي من 54 مليار دولار في العام 2019 الى 28 مليار دولار في العام 2024.
2 – فقدان الثقة في النظام المالي: ان القطاع المصرفي متعثر منذ العام 2019 وحتى تاريخ كتابة هذه الاسطر لم تتم اي مبادرة جدية لاصلاح هذا القطاع وتحرير اموال المودعين. يعتبر غياب الاصلاح في هذا القطاع العامل الرئيسي لتراجع ثقة المواطنين والمستثمرين بالنظام المصرفي والمالي اللبناني. وهذا ما ادى الى الفقدان الكبير لقيمة العملة الوطنية وزيادة الدولرة بالاضافة الى تراجع المصارف في لعب دورها الطبيعي كرافعة للنمو الاقتصادي، لقد تراجع النمو الاقتصادي الحقيقي في العام 2018 من 0.2 % الى -7 % في العام 2022
3 – تراجع احتياطات النقد الاجنبي: ادى التأخير في اقرار وتنفيذ خطط اصلاح واضحة منذ العام 2019 الى استمرار استنزاف احتياطي مصرف لبنان من العملات الاجنبية الذي كان يستخدم لتمويل الواردات ودعم اسعار الصرف بشكل غير مستدام، بدل توجيه الجهود نحو اصلاح حقيقي يساعد على تعزيز الايرادات وتحقيق التوازن في ميزان المدفوعات. لقد تراجع الاحتياطي الرسمي بالدولار من 32 مليار دولار في العام 2018 الى 9 مليار دولار في العام 2022.
4 – ارتفاع معدلات الفقر والبطالة: ساهم التأخير في الاصلاحات ايضاً في اطالة امد الازمة الاجتماعية، حيث ارتفعت معدلات الفقر المتعدد الاتجاهات الى اكثر من 70 % من المقيمين، في حين يعيش 33 % من اللبنانيين تحت خط الفقر المدقع حالياً وذلك بحسب ارقام البنك الدولي. لقد فاقت نسبة البطالة حدود 30 % في بعض التقديرات، خصوصاً بين الشباب وخريجي الجامعات. إن غياب خطة نهوض اقتصادية واضحة المعايير، بالاضافة الى غياب الثقة بالنظام السياسي،قد عمق من فقدان الامل لدى اللبنانيين ودفع الالاف نحوالهجرة.
5 – ضياع فرص الدعم الدولي: من اهم نتائج التأخير في الاصلاحات ضياع الفرص للحصول على دعم مالي خارجي، بالاخص من مؤتمر سيدر في العام 2018، كذلك الاتفاق مع صندوق النقد الدولي في العام 2022. ادى ذلك الى تراجع فرص اعادة ربط العلاقة مع الدول المانحة وصناديق الاستثمار الدولية لان هذه الجهات ربطت تقديم المساعدات والقروض الميسرة بتنفيذ اصلاحات محددة في مجالات الحوكمة، مكافحة الفساد، واعادة هيكلة القطاعين العام والمصرفي.
ختاماً، لقد كشف التأخير المستمر في اجراء الاصلاحات البنيوية ليس فقط عن عجز الدولة في مواجهة الازمة، بل ايضاً عن غياب الارادة السياسية الحقيقية لإنقاذ وطن ينهار امام اعين الجميع. هذا التراخي لم يعد يترجم في خسائر مالية واقتصادية فحسب، بل اصبح يترجم في حياة ملايين اللبنانيين الذين خسروا مدخراتهم، وفقدوا وظائفهم، وهاجر ابناؤهم بحثاً عن حياة كريمة في الخارج.
رغم الصورة القاتمة، يبقى الامل قائماً في حال توافرت ارادة جادة للقيام بإصلاحات جذرية وشجاعة، تتجاوز حسابات السياسيين الضيقة، وتعيد بناء عقد اجتماعي جديد يقوم على الشفافية، العدالة والمحاسبة وحصر السلاح بيد الدولة. لكن السؤال الجوهري الذي سيحدد مسار السنوات المقبلة هو: هل يملك صناع القرار في لبان الشجاعة الكافية لاتخاذ خطوات مؤلمة وضرورية، قبل ان تصبح كلفة الانقاذ اكبر من قدرة اللبنانيين على الاحتمال، ام ان التردد سيبقى سيد الموقف حتى ينهار ما تبقى من بنية الدولة؟ إن مستقبل لبنان الاقتصادي مرهون اليوم، اكثر من اي وقت مضى، بسرعة وجرأة هذه الاصلاحات، فإما مسار انقاذ حقيقي يضع لبنان على سكة التعافي والنهوض، واما مزيد من الغرق في دوامة الانهيار التي لا تعرف قاعاً.
*بروفيسور في العلوم الاقتصادية، الجامعة اللبنانية، عضو هيئة مكتب المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي.
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






