المثال على الحصر
02 تموز 2025
07:44
Article Content
تقرأ الناس وليد جنبلاط لكي تعرف من خلاله ماذا يقرأ. وإذ يبدي موقفاً أو تغيراً جديداً يعطي البلد شيئاً من "طرف الخيط"، لكن أسراره العميقة تظل عادات رجل الدولة، وتقاليد أهل الجبل. وليس الإفصاح هو الصواب دائماً، ولا أن الحقيقة دائماً أن تقال، بل غالباً ما يكون الفوز، أو الحكمة في حجبها.
أخذ العوام الدهماء والجهلة على الدروز ممارسة التقية في العلاقة مع الآخرين. ولا يعرفون أنها آية من الآيات، وفرض من فروض الآداب، والخلقيات، والتنشئة عند الموحّدين.
ينسى الناس زمناً أن وليد بك زعيم درزي. فالمختارة عنوان شخصي، ولكن ضمن الجماعة المعروفة باسم لبنان. وفي إطار الجماعة، هو رمز من رموزها الدائمين، في الاستقرار وفي الاضطراب. يفوز بفوزها، ويخسر بخسارتها، ليس كزعيم درزي، بل كمواطن خلاصه في قاعدة الجمع وأصولها.
في الخمسين سنة الماضية كانت حروب وليد بك كثيرة، وسلامه صعباً.
ولكن في هذا وفي ذاك، ظل ملتزماً أبعاد أسباب الوجود وأعماقه، في الكيان البالغ التعقيد. ولم تكن هذه مهمة سهلة، ولا عقدا سياسيا واجتماعيا بسيطا. وفي بلد صغير المساحات، متعدد الجوانح، كثيف السكان، استطاع أن يحيط زعامته الإقطاعية بحالة ثقافية نادرة. مثل كمال جنبلاط قبله. حفظ الإرث، وأضاف إليه الحالة الاشتراكية المستنيرة، ومكانة مرموقة في الاشتراكية الدولية. وفي كل ذلك، ظلت الثوابت لا تتغير: الهوى اشتراكي، والقلب عربي، دقة دقة.
في انعطافات نصف القرن الماضي ومتغيراته وتحولاته وأعاصيره، شهدنا وليد جنبلاط يصارع بقائيات الشرق، مثل "موبي ديك" في رائعة هيرمان ملفيل. مثل المركب، ومثل القبطان، ومثل الموج الهائج، من أجل الوصول إلى برّ هادئ. لكن المتغير الذي أعلنه وليد بك الأسبوع الماضي، كان، على ما أعتقد، أعظمها جميعاً: وليد جنبلاط، في خطاب مكتوب خلافاً للعادة، ولمحات الظرف الطائشة، يعلن عن أمرين في غاية الخطورة: تسليم سلاح المختارة إلى الدولة، واعتبار ذلك مثالا تقتدي به جميع الأحزاب الأخرى. أي، طبعاً، "حزب الله".
ولكن إذا كان هناك من يلجأ إلى التقية أكثر من الدروز، فهم الشيعة. ولمَ لا إذا كانت تقينا في الزمن القلق، آلام التجارب وسوء المنقلب؟
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






