نهاية جولة... لا نهاية نزاع: فلنمنح الدولة فرصتها
28 حزيران 2025
04:36
Article Content
في منطقة لا تعرف الهدوء الطويل، فكل تهدئة ليست سوى فاصلة مؤقتة في نصّ مفتوح على احتمالات الصراع. فالحرب قد تتوقف ظاهريًا، لكن جذورها تبقى كامنة، تنتظر لحظة الانفجار التالية. أما لبنان، هذا البلد الذي طالما عاش على خط التماس الإقليمي، فلم يعد بإمكانه تحمّل ترف الانتظار أو وهم الحياد.
ما جرى مؤخرًا في الإقليم قد يشكّل نهاية جولة، لكنه بالتأكيد ليس نهاية النزاع. التوترات ما زالت قائمة، والملفات الكبرى لم تُقفل، بل أُعيد ترتيب أولوياتها. من يظن أن الانفراج مؤشّر دائم، يتجاهل طبيعة المنطقة ومناخها السياسي المتقلب. ولبنان، الذي غالبًا ما يدفع أثمان النزاعات من استقراره الداخلي، لا يملك ترف تجاهل ما ينتظره إذا استمر في الدوران في الحلقة ذاتها.
في ظل هذا المشهد، يصبح من الضروري أن نعيد توجيه البوصلة نحو ما نملك فعلاً أن نقرره ... لا وفقا للتوازنات الخارجية، وحيث لا نملك قدرة على تغيير الموازين الدولية، لكننا نملك أن نقرر إن كنا نريد دولة أو لا. هذا هو الخيار الحقيقي اليوم: دولة أو فوضى.
المعركة اليوم ليست مع الخارج، بل مع أنفسنا. ليست بالسلاح، بل بإعادة بناء الثقة. الثقة بالمؤسسات، بالقانون، وبأن هناك دولة قادرة على أن تكون مرجعًا للجميع. فالدول لا تقوم على موازين القوة بين مكوناتها، بل على توافقها على مرجعية واحدة، تعلو على الجميع وتحكم باسم الجميع.
التجربة أثبتت أن الكيانات التي تفقد وحدتها الداخلية تتحول إلى ساحات مفتوحة لتصفية الحسابات. الدول فقط هي من تحمي شعبها وحدودها ومصالحها. أما الدول التي تنهار من الداخل، فلا ينقذها أي دعم خارجي مهما كان شكله أو مصدره.
في المقابل، لا يمكن انتظار تسويات خارجية لنكون جزءًا منها، إذا لم يكن لدينا مقعد على طاولة القرار، وهذا المقعد لا يُمنح، بل يُنتزع من خلال وضوح في الرؤية ووحدة في الموقف. حين تتوحد الإرادة، يصبح للبنان كلمة تُسمع، لا مجرد مساحة يُتلاعب بها.
الفرصة لا تزال قائمة، ولو كانت محدودة. لكنها ممكنة. لنبدأ بخطوة واحدة: أن نتفق على أن لا بديل عن الدولة. لا خلاص فردي في وطن ممزق، ولا أمن حقيقي في ظل انتشار السلاح وتعدد المرجعيات. وحدها الدولة، بمؤسساتها الشرعية، قادرة على أن تصمد وتؤمن الحماية الحقيقية لمواطنيها.
لا أحد سيأتي لإنقاذنا إن لم نبادر نحن. لا تسويات الخارج ستُجدي نفعًا إن لم تكن مدعومة بتسوية داخلية حقيقية. لبنان لا يمكن أن ينتظر أكثر، ولا اللبنانيون يحتملون جولة جديدة من الفوضى.
فلا سلام بلا دولة، ولا دولة بلا مواطنين يؤمنون بها، ولا مواطنين بلا أمل حقيقي بأن الغد يمكن أن يكون أفضل.
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






