توقفت العمليات العسكرية وبدأت التفاهمات السياسية
28 حزيران 2025
04:11
Article Content
توقفت الحرب التي اندلعت بين إيران وإسرائيل، ومن مسافات بعيدة بواسطة الطائرات والصواريخ التي عبرت فوق الصحاري والبحار والمحيطات بعد 12 يوماً عُجاف، وبدأت مرحلة التفاهمات السياسية التي ستستند الى معطيات أنتجتها العمليات العسكرية، خصوصاً بعد أن تدخلت الولايات المتحدة الى جانب إسرائيل، وقصفت ثلاث مفاعلات نووية في فوردو وأصفهان ونطنز، بعملية جوية مُعقدة، هي الأولى من نوعها، على ما أعلن الرئيس دونالد ترامب، حيث انطلقت القاذفات الأميركية المتطورة من ولاية أيرزونا إلى إيران وعادت من دون أي توقف، والواضح أن للعملية الجوية التي استمرّت 37 ساعة، أهداف استعراضية وتجارية، إضافة للهدف المُعلن وهو تعطيل البرنامج النووي الإيراني.
مهما يكُن من أمر، وبصرف النظر عن المعلومات التي تسرَّبت، والتصريحات التي صدرت عن الأطراف المتقابلة والتي تتحدث عن انتصارات وهزائم؛ يمكن التأكيد على ولادة منظومة قواعد جديدة للصراع في الشرق الأوسط، وهناك نتائج لا يمكن القفز فوقها، و"الميكيافيلية العصرية" كانت السِمة الغالبة على مواقف المتخاصمين. مع الإشارة إلى أن ما حصل هو أول مواجهة جدية بين إسرائيل وإيران، حيث لا يمكن اعتبار الردود الصاروخية التي حصلت على الاعتداءات الإسرائيلية على سفارة إيران في دمشق (نيسان/أبريل 2024) وعلى استهداف قائد حركة حماس الشهيد إسماعيل هنية في طهران (تموز/يوليو 2024)، كونها حرب. وكذلك الأمر بالنسبة للولايات المتحدة التي لم تضرب إيران مرّة واحدة من قبل، رغم حصول أزمات سابقة بينهما ابتداءً من احتجاز طاقم السفارة الأميركية في طهران (تشرين الثاني/نوفبر 1979) مروراً بالغزو الأميركي لجارتين مهمتين لإيران هما: أفغانستان (2002) والعراق (2003).
يمكن التأكيد أن التفاهمات غير المعلنة، او النتائج المُحققة من بعد الحرب؛ تتلخص حتى الآن بما يلي: تسليم إيراني بسيطرة إسرائيل ومن خلفها الولايات المتحدة على الأجواء في كل منطقة الشرق الأوسط، كما في حصرية امتلاك السلاح النووي. وتسليم إسرائيل وحليفتها الأميركية ببقاء النظام الإيراني على وضعيته الراهنة، مع إمكانية تغيير في نهجه أو دوره.
وهاتان المُحصلتان خطيرتان على المستقبل، إذا ما تمّ استخدامهما لأغراض جانبية، بمعنى أن يُعطى الطرف الإيراني حرية توظيف الاستقرار المقبل لإعادة بناء منظومته الخارجية التي تهالكت من جراء التطورات، ولا سيما منها تفعيل تأثيره على الساحات المجاورة، خصوصاً العربية منها. مقابل إطلاق يد الولايات المتحدة في تنظيم الاستثمارات الواعدة على الساحة الإيرانية، بما في ذلك إعادة تأهيل البنى التحتية وخطوط الطيران المدني، ومنع كل أشكال التهديد العسكري لبرامج إسرائيل العدوانية في الجو والبر والبحر وفي مجال التفوق النووي.
ترامب متفائل بقرب إعادة الحوار مع إيران، وهو يتحكَّم بكل مفاصل اللعبة، بما في ذلك تأثيره الكبير على أصدقائه في عدد من الدول العربية المعنية، لكن الخشية قائمة من مساومة أميركية على المصالح العربية، مقابل إغداق التقديمات لإيران، بما لا يزعج إسرائيل، ولا يضرّ بالاستراتيجية الأميركية. وسبق لواشنطن أن نظَّمت تفاهمات مُشابهة بعد تحرير الكويت عام 1991، وبعد غزو العراق عام 2003، وكان بعض هذه التفاهمات وبالاً على الدول القريبة من إيران، لا سيما على لبنان والعراق واليمن وفلسطين. ويعني هذا الأمر إبقاء التهديد الإيراني قائماً في هذا السياق، وتجفيفه في الاتجاه الأخر الذي قد يؤذي إسرائيل.
الموقف العربي من الحرب التي دارت؛ كان متميزاً وعاقلاً، ومؤثراً. حيث أدان عدوان إسرائيل منذ انطلاقته في 13 حزيران/يونيو، كما أدان القصف الإيراني الذي استهدف قاعدة العديد الأميركية في قطر، في اليوم الأخير من الحرب، لأنه حصل من دون أي مبرر، والقاعدة لم تقُم بأي دور عسكري ضد إيران. وتعتبر الرؤى العربية الجديدة؛ فاتحة أمل يمكنها أن تصنع قواعد جديدة للأمن القومي العربي الشامل، يمنع أي مساومات على حساب الحقوق العربية، ويحصِّن الوضع العربي في مواجهة التهديدات المستقبلية.
هل حصلت تفاهمات تشمل تداعيات الحرب على الوضع الدولي؟
يحتاج الجواب الى مزيد من التدقيق والإنتظار. فمن الواضح أن روسيا ليست منزعجة من طريقة إخراج اتفاق وقف إطلاق النار، برغم أنها اعترضت بشكل خجول على التدخُل الأميركي، بينما الصين التي أدانت العدوان الإسرائيلي من دون أن تقدم أي مساعدة عملية لطهران؛ منزعجة الى حدود كبيرة من نتائج الحرب، ومسؤول صيني سابق كان قد صرح بأن المصالح الصينية ستتأثر سلباً بأي هزيمة لإيران، وبقاء الدور الإيراني كما هو عليه الحال، مسألة أمن قومي بالنسبة للصين (كما قال). فماذا لو كانت التفاهمات السياسية المنتظرة بين طهران وواشنطن، تشمل استثمار الساحة الإيرانية في المواجهة الباردة مع الصين؟
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






