بين كمال جنبلاط ونايف معلوف
11 حزيران 2025
19:20
آخر تحديث:11 حزيران 202519:25
Article Content
ودّع لبنان واحداً من رجالاته الكبار وموظفيه الأمناء الأخيار والعصاميين الأطهار الدكتور نايف معلوف الذي كرّس في حياته العلمية والعملية التربوية والإدارية التلازم بين الإرادة والإدارة. إرادة البناء والجدّية والصدق والإخلاص والتفاني في الخدمة العامة وإعطاء المسؤولية حقّها وحفظ أمانتها، وإدارة المؤسسات والصلاحيات على أساس القانون والعدل والإنصاف بين الناس بشجاعة أخلاقية استثنائية.
نايف معلوف مدير عام التعليم الابتدائي ثم مدير عام وزارة التربية ومحافظ بيروت ومدير عام في رئاسة الجمهورية، حدّثني عنه كثيراً الراحل الكبير الأستاذ فؤاد سلمان الذي عرفه عن قرب وربطته به علاقة متينة. وفؤاد كان أديباً وشاعراً ومثقفاً ومناضلاً سياسياً وطنياً في صفوف الحزب التقدمي الاشتراكي رافق المعلم الشهيد كمال جنبلاط في محطات كثيرة وتحمّل مسؤوليات كبيرة وعلى رأسها أمانة السر العامة في الحزب في أصعب الظروف الى جانب الزعيم الوطني وليد جنبلاط. كما جمع بينهما الأخلاق. القيم. والصدق، فتعرفت بدوري الى الراحل الدكتور نايف فأكرمني باحترامه وتقديره وثقته وكانت بيننا أحاديث كثيرة حول شؤون وطنية وإدارية وخصّني بتحية كبيرة يوم أقدمت بعد تعييني وزيراً للإعلام أول مرة عام 2000 على اتخاذ خطوة إلغاء تعامل 930 شخصاً مع الوزارة كانت اسماء كثيرين منهم وهمية إذ لا يربطهم أي رابط بالإدارة. قامت القيامة ولم تقعد وأصرّيت على موقفي حتى صدر قرار عن مجلس الوزراء يتبنى الموقف الذي بني عليه أمران: مؤتمر باريس 2 فاعتبروه خطوة أولى على طريق الإصلاح، ثم جاء قرار تصفية عقود ما لا يقل عن 1500 موظف في شركة طيران الشرق الأوسط التي كانت تواجه الإفلاس فاشتراها البنك المركزي في سابقة في تاريخ المصارف المركزية في الدول ووصلت اليوم بعد إعادة بنائها الى أن تكون أم المؤسسات الوطنية شركة رائدة حققت إنجازات كبيرة وساهمت في تعزيز حضور لبنان وتأمين مستلزمات استمرار عمل المرفق الوطني الهام مطار رفيق الحريري الدولي في أصعب الظروف خلال الأزمة المالية والإنهيار الذي عاشته البلاد.
نايف معلوف في إحدى الجلسات معه أخبرني عن أمر ما حصل مع كمال جنبلاط عندما كان وزيراً للتربية وطلب إصدار قرار معيّن ورفض الطلب مبرراً أسباب رفضه. لاحقاً نشر كتاباً عنوانه "من خوابي العمر" قدّم له الصحافي والسياسي والدبلوماسي الكبير الراحل غسان تويني وروى فيه الحكاية التالية: "ويتّصل كمال جنبلاط كل ثلاثاء للمراجعة في شؤون تربوية تعود الى منطقتي الشوف وعاليه وغيرهما. هذه يلفتني إليها ويكون فيها على حق، وهذه لا أوافقه فيها ويقتنع. وفي إحدى المراجعات وعلى غير عادته في الإصغاء والحوار يلحّّ في نقل معلم لم أعد أذكر اسمه. وأعتذر عن تلبية طلبه فلا يرضيه اعتذاري. ويأتيني الطلب ذاته من الوزير دقائق قليلة بعد ذلك الاتصال . ويعلن الوزير بأنه سينفّذ الطلب على مسؤوليته لأن كمال جنبلاط لا يرد له مثل هذا الطلب، وأعتذر من جديد. ويبقى كل شيئ على حاله. ويعاود "المعلم" الاتصال بي بعد أيام وهكذا الناس يسمّونه ويعلن عن رغبته بزيارتي في منزلي، ويأتيني إليه برفقة فوزي عابد صديق لي ومدير لإحدى مدارس بيروت، ويبدأ زيارته بالإطراء لموقف مبدئي يشجع على المضي فيه ويحرص على معاملة المعلمين بالعدل والإنصاف وتطول الزيارة الى ساعتين وأكثر يتحدث فيها "المعلم" في الفكر والفلسفة، بعدما عرف أن هذا هو اختصاصي الجامعي واختصاص زوجتي التي كتبت أطروحة عن الفيلسوف الوجودي كيركغارد وينطلق في تشريح فلسفة هذا الأخير ويتبين أنه يعرف عنه أكثر مما نعرف نحن، ويلّم بأفكاره إلماماً لا نجاريه فيه، هو رجل السياسة والموقف والمشاكل اليومية أيضاً ونحن أساتذة الجامعة. وتنتهي الزيارة الى محبة منه وبدء صداقة، وتشجيع على العناد في الموقف مهما تكن الضغوط والى الطلب من إبنه الوليد أن يزورنا أيضاً وتنتشر الشائعات أنني أميل الى الاشتراكية والواقع أنني لم أكن يوماً بعيداً عن اليسار وهمّي كان وهمّ رفاقي بناء تربية سليمة بها يكون بناء الوطن".
ما أحوجنا اليوم الى هذه التربية في السياسة. زعيم ومفكّر ومثقف بحجم كمال جنبلاط يشعر أنه طلب طلباً في غير مكانه فيذهب الى المسؤول الذي لم يلبّه يقف على خاطره في منزله ويشدّ على يده ويشجعه ويشيد به، ومسؤول مارس حريته وأمانته بشجاعة.
نايف معلوف الرحمة لك. والتحية الى تاريخك ومناقبيتك وأخلاقك وسلوكك ولعائلتك الكريمة بكل رموزها.
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






