الحلم الكردي: في مواجهة التاريخ والجغرافيا
02 حزيران 2025
10:17
Article Content
لطالما راود الأكراد حلم إثبات وجودهم وتأسيس كيان خاص بهم، لكن التاريخ والجغرافيا لعبا دورًا معقدًا في عرقلة هذا الحلم. فالموقع الاستراتيجي للمناطق الكردية في قلب الشرق الأوسط، وغياب وصولهم إلى البحر، والتضاريس الوعرة التي قسمتهم، كلها عوامل جغرافية زادت من تعقيد سعيهم للاستقلال.
تاريخيًا، أدى تقسيم الأراضي الكردية بعد الحرب العالمية الأولى إلى تشتتهم بين أربع دول حديثة (تركيا، إيران، العراق، وسوريا)، حيث واجهوا درجات متفاوتة من القمع والتهميش. كما أن الصراعات الداخلية الكردية والتحالفات المتغيرة مع قوى إقليمية ودولية غالبًا ما خدمت مصالح تلك القوى على حساب القضية الكردية.
على الرغم من هذه التحديات الهائلة، فقد حقق أكراد العراق حكمًا ذاتيًا شبه مستقل. كما أقامت قوات سوريا الديمقراطية "قسد" إدارة ذاتية في شمال شرق سوريا خلال الحرب الأهلية. ومع ذلك، فإن الملف الكردي في سوريا أصبح جزءًا لا يتجزأ من توازنات إقليمية ودولية معقدة، وتلعب واشنطن فيه دور الوسيط والموازن.
مستقبل "قسد" ضمن الإطار السوري
لكن يبدو أن مستقبل "قسد" سيتحدد بمدى قدرتها على التكيف مع هذه الشروط والتفاهمات الإقليمية، مع التأكيد على أهمية الحل ضمن إطار الدولة السورية الواحدة. وهناك تيار غالب داخل "قسد" يرغب في الاندماج، بينما يقف تيار آخر معارضًا.
ومع ذلك، فإن الرسالة النهائية الواضحة هي أن سوريا في مرحلة حساسة تتطلب تكاتف جميع الأطراف لتحقيق الاستقرار والازدهار الاقتصادي. فالوقت يضيق، والجميع في سفينة واحدة، مما يستدعي مراجعة جدية من القوى الكردية بأن الحل الوحيد يمر عبر الدولة السورية، وليس بتجاوزها.
الملف الكردي على طاولة أردوغان والشرع
كان الملف الكردي نقطة محورية في محادثات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان والرئيس السوري أحمد الشرع، الذي قام في 24 أيار الماضي بزيارة بعيدة عن الاعلام إلى اسطنبول. تناولت المباحثات قضايا حاسمة عدة، منها رفع العقوبات الأميركية عن سوريا، والتعاون الأمني والاقتصادي، والعدوان الإسرائيلي المستمر في سوريا.
فالهم التركي كان ولا يزال قوات "قسد" الكردية وأمن الحدود الجنوبية. وهذا الملف هو الأبرز والأكثر إلحاحًا بالنسبة لتركيا لوضع حد لما تعتبره "تهديدات أمنية" قادمة من حدودها ومرتبطة بشكل أساسي بقوات "قسد" التي تعتبرها أنقرة امتدادًا لـ"حزب العمال الكردستاني".
ويبدو أن هناك اتفاقًا مبدئيًا بين أردوغان والشرع، وبدعم أميركي، على حسم ملف "قسد" خلال أيام. قد يشمل هذا الاتفاق دمج قوات "قسد" تدريجيًا ضمن بنية الدولة السورية، وربما نقل الإشراف على سجون تنظيم "داعش" من "قسد" إلى الحكومة السورية، لتجد القوات الكردية نفسها أمام معضلة يبدو خلالها أن الاندماج هو الخيار الوحيد، وإلا فالفوضى.
تأكيدات سورية ودعم أميركي - تركي
كان كلام وزير الخارجية السوري، أسعد الشيباني، واضحًا في هذا السياق عندما أكد أن "المماطلة في تنفيذ الاتفاق مع قسد ستطيل أمد الفوضى"، مشددًا على أن "حقوق المواطنين الأكراد مكفولة بالكامل ضمن الدولة الواحدة".
وفي ظل هذه التفاهمات، تتزايد فرص فرض سيطرة الحكومة السورية على كامل الأراضي وخلق استقرار، خصوصًا بعدما أعطى الجانب الأميركي "الضوء الأخضر" للمضي بهذا الاتجاه، مما يقلل من خيارات "قسد" ويعزز موقف دمشق وأنقرة.
وكانت مجموعة العمل الأميركية - التركية بشأن سوريا، التي اجتمعت في واشنطن، أكدت وفق بيان لوزارة الخارجية الأميركية في العشرين من أيار الماضي، التزام واشنطن وأنقرة بزيادة التعاون والتنسيق بشأن الاستقرار والأمن في سوريا ومع جيرانها، وعلى أهمية الحفاظ على وحدة أراضي سوريا المستقرة والموحدة التي لا توفر ملاذًا آمنًا للمنظمات الإرهابية، بل تدعم الأمن والازدهار الإقليميين.
سيناريو الاندماج والتحفظات الكردية
في خضم التطورات المتسارعة، تتكشف ملامح مرحلة جديدة تحدد مصير قوات "قسد" ومستقبل الشمال الشرقي السوري. ويبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحًا هو دمج "قسد" ضمن مؤسسات الدولة السورية، تحت ضغوط تركية - أميركية، مع تعهدات من الحكومة السورية بضمان حقوق الأكراد، بما ينهي أي فرصة لانقسام سوريا.
وأمام هذا الواقع، بات أمام "قسد" خيار وحيد وهو الاندماج في الدولة السورية، في وقت تبدي القيادات الكردية انفتاحًا على الحوار مع دمشق، معتبرة أن لقاءات مثل تلك التي جمعت الرئيس السوري مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، تمهد "لمرحلة جديدة من الحوار البناء لتحقيق الاستقرار والسلام".
وتؤكد "قسد" استعدادها للتعاون مع جميع الأطراف لضمان مستقبل مستقر لسوريا، خصوصًا في ظل التنسيق الأميركي المباشر لدعم بناء "دولة سورية جديدة"، لكن ذلك ليس بدون شروط.
فـ"قسد" لا تخشى الاندماج بحد ذاته، بل تتخوف من "عملية الإقصاء"، وتشدد على ضرورة أن يسبق أي عملية دمج اتفاق سياسي شامل يحدد شكلًا سياسيًا واضحًا للدولة و"روحًا دستورية جامعة"، منتقدة الإعلان الدستوري الحالي باعتباره أحادي الرؤية.
مطالب "قسد" ورؤيتها للمستقبل
كما تُطالب "قسد" بإصلاحات واسعة وحوار وطني شامل، منتقدة "الرؤية الفوقية" للإعلام الرسمي الذي يستمر في تصوير شمال شرق سوريا كمنطقة انفصالية. وتنتقد كذلك هيكلية وزارة الدفاع الحالية، وتدعو إلى الابتعاد عن "عقلية الميليشيات" في الإدارة العسكرية، مشككة في التعيينات القائمة على الولاء لا الكفاءة، ومستشهدة بتعيين شخصيات مثيرة للجدل في مناصب قيادية.
وتؤكد "قسد" على طبيعتها التي لا تقتصر على المكون الكردي فقط، بل تشمل العرب ومكونات أخرى، وتمتلك خبرة ميدانية تؤهلها لتكون شريكًا حقيقيًا في أي هيكل عسكري جديد. لذا، فهي ترفض تسليم السلاح كشرط أولي، وتطالب بتفاوض شفاف ومتكافئ حول هذه المسألة الحساسة. كما تطالب بضمان الشفافية في إدارة الثروات الطبيعية، مشيرة إلى التهميش الذي عانت منه مناطق "الإدارة الذاتية" في الماضي، وتنتقد غياب التمثيل الفعلي لأبناء شمال شرق سوريا داخل الحكومة المركزية.
لم يعد الملف الكردي في سوريا قضية محلية بحتة، بل أصبح جزءًا من شبكة توازنات إقليمية ودولية معقدة تلعب فيها واشنطن دور الوسيط والموازن. والرهان على الطروحات الأيديولوجية أو الانفصالية لم يعد واقعيًا، فالقوى الكردية بحاجة إلى مراجعة جدية تعترف بأن الحل الوحيد يمر عبر الدولة السورية، لا بتجاوزها.
وفي المقابل، فإن المعطيات الراهنة تشير بوضوح إلى أن دمشق باتت مجبرة على التعامل مع "قسد"، سواء باحتوائها أو بالتفاوض معها، بهدف استعادة السيادة الكاملة على الأراضي السورية وتجنب الصدام العسكري. ويأتي هذا التوجه أيضًا استجابة لضغوط الحلفاء الدوليين، وفي مقدمتهم واشنطن.
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






