واشنطن ـ طهران: حوار بين نوعين من البراغماتية
14 نيسان 2025
08:24
آخر تحديث:14 نيسان 202508:24
Article Content
أما قد انطلقت المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية غير المباشرة على وقع تهديد واشنطن لطهران بضربة عسكرية "كارثية"، إلا أن الصحيح أيضاً أن هذه الضربة لو نُفذت، فإنها قد تجرّ المنطقة برمتها إلى حرب، معروفةٌ بدايتها، لكن أحداً لا يعرف كيف تنتهي.. وهذا ما يُدركه الجميع على الأرجح.
ويحمل الملف الإيراني، الكثير من التعقيدات، لكن الرئيس الاميركي دونالد ترامب الذي كان يرغب بمحادثات مباشرة، وعلى الرغم من سياسة الضغوط القصوى التي اعتمدها تجاه طهران خلال ولايته الأولى (2017 ـ 2021)، والتي تضمنت الانسحاب من الاتفاق النووي واستعادة العقوبات، امتنع عن شنّ هجوم على مواقعها النووية، خلافاً لما كان يرغب فيه فريقه السابق في حينه، مثل وزير خارجيته مايك بومبيو، أو مستشاره للأمن القومي جون بولتون.
ومنذ تسلمه ولايته الثانية في ظل تحذيرات لإيران من "الويل والثبور وعظائم الأمور"، لم يبدِ ترامب استعجاله لعمل عسكري ضد طهران خلافاً لشهية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الجاهز للقيام بذلك، شرط تأمين الغطاء من البيت الابيض، لا بل حض الرئيس الأميركي طهران على التوصّل إلى صفقة بشأن ملفها النووي، تجنباً لضربة عسكرية، مبدياً رغبته بالتوصل إلى هذه الصفقة.
ومع بدء مسار هذه المفاوضات غير المباشرة في سلطنة عمان، تعي طهران صعوبة ما ينتظرها من محادثات شائكة على الرغم من الرغبة الضمنية الملحّة للوصول أقله، إلى عناوين عامة تفتح الطريق لاتفاق جديد ولو على مراحل، ويبعد شبح الضربة العسكرية عنها، وتجنب اندلاع حرب واسعة غير معلومة النتائج وغير البعيدة عن حسابات واشنطن.
وفي هذا السياق، كشف تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية، اول من أمس السبت، عن أن إيران سعت خلال المحادثات غير المباشرة إلى تخفيف العقوبات الأميركية عليها مقابل موافقتها على فرض قيود على برنامجها النووي، ما مهد الطريق لجولة ثانية من المحادثات السبت المقبل.
ترامب وفي أول تعليق له الجلسة الأولى من المحادثات، علق قائلاً: "اعتقد أنها تسير على ما يرام". وأضاف "لا شيء يهم حتى ننتهي منها (المحادثات)، لذلك لا أحبذ الحديث عنها. لكنني اعتقد أنها تسير على ما يرام. الوضع المتعلق بإيران جيد للغاية".
الخارجية الإيرانية، أعلنت أن المحادثات المقبلة، ستبقى "غير مباشرة"، وستركز حصراً على الملف النووي ورفع العقوبات، فيما اشار المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي إلى أن "النقاش سيتناول مكان المفاوضات المستقبلية"، مكرراً القول إن المحادثات ستركز فقط على "الملف النووي ورفع العقوبات".
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي الذي ترأس وفد بلاده للمحادثات مع الوفد الأميركي برئاسة المبعوث الأميركي الخاص لشؤون الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف، قال للتلفزيون الإيراني الرسمي "أعتقد أننا قريبون للغاية من التوصل إلى أساس للمفاوضات، وإذا تمكنا من التوصل إلى ذلك الأسبوع المقبل، فإننا سنكون قد قطعنا شوطا طويلاً، وسنكون قادرين على بدء مناقشات حقيقية بناء على ذلك"، مشيراً إلى أن المحادثات، وهي الأولى بين إيران وإدارة ترامب، بما في ذلك خلال ولايته الأولى، جرت في "أجواء بناءة وهادئة وإيجابية".
وذكر بيان للبيت الأبيض أن المحادثات كانت "إيجابية وبناءة للغاية"، وأضاف: "هذه القضايا معقدة للغاية"، معتبراً أن التواصل المباشر بين الوفدين "خطوة نحو تحقيق نتيجة مفيدة للطرفين".
في هذه الخصوص، أوضح عراقجي أن لقاءً مباشراً قصيراً جرى بين الوفد الإيراني والوفد الأميركي بعد خروجهما من المحادثات غير المباشرة. وأضاف: "بعد أكثر من ساعتين ونصف الساعة من المحادثات غير المباشرة، تحدث رئيسا الوفدين الإيراني والأميركي لبضع دقائق بحضور وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي عند مغادرتهما المحادثات. تم (اللقاء) وفقا لآدابنا السياسية".
ما يجري في سلطنة عمان هو حوار بين "لاعب بوكر ولاعب شطرنج"، في ظل برغماتية متباينة بين المتفاوضين.. ذلك أنه غالباً ما يبدي الأميركيون في أي مفاوضات، المرونة والتكتيكات السريعة، والمراوغة، في إسلوب يشبه إلى حد كبير، أسلوب "لاعب البوكر"، الذي يعتمد على قراءة الخصم والمخاطرة المحسوبة.
في المقابل، عادة ما تعتمد إيران في مفاوضاتها على التخطيط الاستراتيجي طويل المدى، حيث غالبًا ما تسعى إلى توجيه رسائل من خلال المناورة السياسية أو العسكرية، ومن خلال حلفائها الاقليميين، في إسلوب يشبه إلى حد كبير أسلوب لاعب الشطرنج، الذي يعتمد التكتيكات المعقدة المغلفة بمواقف حذرة، تجنبها المواجهة المباشرة قدر الإمكان.
ويشار إلى أن طهران منذ الثورة الإيرانية عام 1979، تعمل في بيئة إقليمية ودولية متقلبة، مليئة بالتحديات بسبب العقوبات المفروضة عليها، ما أرغمها على تبني سياسات اقتصادية للتحايل على هذه العقوبات، وهذا ما أدى إلى الكثير من التوترات في علاقاتها الإقليمية والدولية.
اللافت أن أصل "لعبة البوكر" يعود إلى أوائل القرن التاسع عشر في الولايات المتحدة، في حين أن معظم المؤرخين يعتقدون أن لعبة الشطرنج انطلقت في القرن السادس الميلادي من الهند وكانت تُسمى "تشاتورانغا"، ووصلت إلى بلاد الفرس الذين لعبوا دوراً حاسمًا في تطويرها ونشرها في العالم بعدما أطلقوا عليها اسم "شطرنج"، الأسم المتداول في يومنا هذا.
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






