أزمة أوكرانيا تهدّد الأمن الدولي: العودة إلى نغمة السلاح النووي!
13 آذار 2025
05:51
Article Content
تشهد الأزمة الأوكرانية تطورات جيوستراتيجيّة مثيرة للقلق على الصعيد الدولي شرقاً وغرباً. فبعد المناكفة في البيت الأبيض بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وما أثارته من ردود فعل على الصعيد العالمي، برزت مؤشرات سلبية على صعيد الحرب في ظلّ تهديد الرئيس الأميركي بسحب دعمه لأوكرانيا عسكرياً ومادياً وأمنياً. وشرعت دول المجموعة الأوروبّية في التفتيش عن بديل تعوّض به عن الدعم الأميركي لأوكرانيا. هذا الواقع الصعب والخطر وضع الدول الأوروبّية أمام امتحان حقيقي: هل هي قادرة وراغبة في تأمين مستلزمات أمنها الذاتي في مواجهة روسيا التي تضع كل ثقلها العسكري لربح هذه الحرب ضدّ كييف؟ واللافت حقاً في هذا الصراع هو الانتقال من التهديدات السياسية والعسكرية العادية إلى التهديد من نوع آخر، هو السلاح النووي!
فما هي قيمة هذا التهديد النووي بطابعه الفرنسي - الأوروبي؟ وكيف ولماذا وصلت الأمور إلى هذا المنعطف الخطر؟
1- في ما يكتب عن حرب روسيا على أوكرانيا تغيب مسلّمة جيوستراتيجية أساسية وهي التصنيف العملي الجيوسياسي لوضعية أوكرانيا بالنسبة إلى روسيا. وهذا المعطى الأساسي يصنّف دولة أوكرانيا على أنها "دولة حاجز" (Etat-Tampon) بين روسيا والدول الأوروبّية، خصوصاً تلك المنتسبة إلى حلف "الناتو". فمنذ زمن ستالين وموسكو تسعى إلى إقامة سلسلة من الدول الصغرى المحيطة بها وقد بلغ عددها 14 دولة منها على سبيل المثال لا الحصر: أوكرانيا وجورجيا وأرمينيا ومولدوفا ولاتفيا وليتوانيا، وبعض الدول ذات الغالبية الإسلامية، منها أوزبكستان وأذربيجان.
2- بين هذه الدول الحاجز تتميَّز أوكرانيا بأنها الدولة الأكبر من حيث المساحة وعدد السكان. فمساحتها 604 آلاف كلم مربّع، وعدد سكانها بلغ في العام 2023، 34.5 مليون نسمة، منهم 75 في المئة من الأرثوذكس. ويبلغ عديد جيشها حوالى 900 ألف مقاتل. هذا الواقع الدولاتي لأوكرانيا جعلها تعلن في 24 آب 1991 أنها دولة حرّة، سيّدة ومستقلّة، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
3- من الطبيعي أن يكون لإعلان استقلال أوكرانيا في شبه انفصال وتحدّ للسلطة في موسكو، تأثيره على السلطات الحاكمة في الكرملين وعلى رأسها الرئيس فلاديمير بوتين، الذي سارع إلى ضمّ شبه جزيرة القرم التابعة لأوكرانيا، إلى روسيا، وذلك لأهميتها الاستراتيجية. بعد ذلك، أعلن حرب روسيا على أوكرانيا في 24 شباط 2022 انطلاقاً من اعتبارات ديكتاتورية وإمبريالية في شخصيّة الزعيم الروسي، والدليل على ذلك الأسباب التي برّر بها إعلانه الحرب على أوكرانيا، إذ ادعى أن الحكومة الأوكرانية تتكوّن من نازيين جدد يرتكبون إبادات جماعيّة بحق الروس في دونباس، وبالتالي لا بدّ من نزع السلاح من القوى الأوكرانية.
4- منذ ذلك التاريخ والعالم يعيش على فوهة بركان اسمه الحرب الأوكرانية. "الدولة الحاجز" واقعة بين نارين: روسيا من جانب، وأوروبا وأميركا من جانب آخر. وقدرتها على المواجهة والصمود تعتمد على مدى الدعم الذي تقدّمه الدول لها، ولا سيّما أميركا، الأمر الذي يرتبط بنوعيّة الحكّام في تلك الدول وصولاً إلى الرئيس ترامب الذي لديه طرحه الجديد تجاه كييف وفرض صلح ووقف للحرب في سعي منه، كما تقول الأوساط الأوروبّية، إلى إقامة علاقات جديدة مع الرئيس بوتين، وإن جاء ذلك على حساب أوكرانيا أوّلاً وداعميها من الدول الأوروبّية ثانياً.
5- هذا الطرح الأميركي الجديد الذي بدأ بشجار داخل البيت الأبيض بين ترامب وزيلينسكي يتواصل الآن على أكثر من صعيد، ولعلّ ردّ الفعل الأخطر في الموضوع هو شعور الدول الأوروبّية أنها أضحت مكشوفة من جهتين:
- جهة عسكريّة - ماديّة لدعم كييف في حربها، وهو أمر صعب على الدول الأوروبّية التي تمرّ في فترة صعبة اقتصادياً، وبالتالي لا تستطيع أن تملأ فراغ الانسحاب الأميركي من تمويل الحرب.
- جهة عسكريّة - نووية، ذلك أن الرئيس بوتين لوّح منذ بداية الحرب في أوكرانيا بالسلاح النووي الذي تمتلك منه روسيا كمّية مهمّة. والتغطية الأوروبّية النووية غير موجودة إلّا في حدود معيّنة لدى فرنسا، التي تمتلك حسب الإحصاءات نحو 300 رأس نووي، مقابل أكثر من 4000 رأس نووي لدى روسيا. وهكذا، تصبح أوروبا مكشوفة مادياً ونووياً تجاه أوكرانيا، وبالتالي تجاه روسيا وأميركا المجتمعتين في تفاهم يقضي بقيام نظام عالمي جديد لم تتحدّد ملامحه النهائية حتى الآن، لكن تجري دراسة تفصيلية في اجتماعات تستضيفها المملكة العربية السعودية.
6- في المقابل، دعا الرئيس ترامب إيران إلى التفاوض حول اتفاق نووي جديد بديل لذاك الذي جرى التوصل إليه عام 2015. ومن الواضح من لهجة ترامب التهديديّة أنه يودّ التوصّل مع إيران إلى اتفاق لا يسمح لطهران أبداً بامتلاك سلاح نووي مهما طال الزمن، الأمر الذي أدركه المسؤولون الإيرانيون وأعلنوا أنهم لن يفاوضوا على السلاح النووي تحت التهديد، في حين يستمرّ التناقض داخل إيران بين خط يدعو إلى امتلاك السلاح النووي لردع إسرائيل وخط يدعو إلى التمسّك بالشريعة التي تحرّم قتل الناس الأبرياء، الأمر الذي يؤدّي إليه استخدام السلاح النووي الذي يرفضه الملالي!
في الخلاصة، المشكلة الأوكرانية هي النموذج الأبرز لمشكلات "الدول الحاجز" في مختلف أنحاء العالم، ولبنان يشكّل أيضاً "دولة حاجزاً" تتعرّض لضغوط من الدول المحيطة بها من الجانبين، وليس للبنان وأوكرانيا سوى اعتماد مبدأ الحياد حلّاً لوضعيتهما الدولية.
ولكن، الهدف النهائي لأميركا وإسرائيل، هو العمل على منع إيران من امتلاك سلاح نووي، لأنه يشكّل خطراً وجودياً على الدولة العبرية. وهذا هو التحدّي الأبرز على صعيد الأسلحة النووية!
إعلان
يتم عرض هذا الإعلان بواسطة إعلانات Google، ولا يتحكم موقعنا في الإعلانات التي تظهر لكل مستخدم.






