تعليقاً على كتاب سركيس نعوم الجديد: السلم الأهلي أيضا من هموم جنبلاط

30 آب 2019 14:51:16

أكتب إليكم هذه الرسالة بعد أيام معدودة من حصولي على توقيع كتابكم الجديد: "من مزيارة الى واشنطن: حين تستفيق الذاكرة" (بيروت، بيسان، تموز 2019)؛ والسبب في الكتابة بدل الإتصال الهاتفي المباشر هو أنني شعرت على مدى أربعة أو خمسة أيام (وهي فترة قراءة الكتاب بصورة متقطعة بحكم الارتباطات الأخرى) بتدافع شديد للأفكار والعناوين التي يستحق الكتاب التعليق عليه.

البداية من الأسلوب السردي والقصصي المشوق، وهو بطبيعة الحال، يعتمد صياغة أدبية مختلفة نوعياً عن أسلوب المقال اليومي (و"الموقف هذا النهار" من الأكثر شهرةً ورواجاً). وإذا كانت الصياغة أدبية وتشد القارىْ إلا أنها أيضاً تتضمن معلومات تعكس شغفكم الصحافي وأسلوب عملكم في هذه المهنة التي تشهد، للأسف، إنحداراً غير مسبوق قد يكون مرتبطاً في جانبٍ منه بالإنحدار السياسي والاخلاقي الذي تشهده بلادنا وهو يدمر كل قطاعات المجتمع، وفي جانب آخر بما فعلته الثورة التكنولوجية التي أتاحت لكل مواطن الأدوات الصحافية، دون أن يكون كل مواطن صحافياً بطبيعة الحال، فولد إختلاطاً وتداخلاً وتساقطاً للحدود والمعايير المهنية، وهو ما لم يحدث في أي مهنة أخرى.

ولكن الأهم من كل ذلك هو جرأتكم الأدبية وشجاعتكم في المجاهرة بوجهة نظركم حيال شخصيات سياسية واجتماعية بعضها رحل عن هذه الدنيا، والبعض الآخر لا يزال حياً يرزق، وهو أمر نادر الحدوث في مجتمع يقوم سلم معاييره، في قسطٍ كبير منه، على المحاباة والتملق والسطحية.

وأقول في هذه المناسبة، أنه على رغم هذه الميزة التي تميز بها الكتاب، إلا أنني قد لا أوافق معكم بالضرورة الطريقة التي إستخلصتم فيها أوصافكم لبعض تلك الشخصيات، ولو أن هذه الخلاصات عكست جانباً من علاقتكم الشخصية مع هؤلاء. إلا أن القارىء قد يجد نفسه أمام تحدياتٍ من نوع  إعادة تقييم تقديره لهذه الشخصية العامة أو تلك، ولكن دون مراعاة أن الكلام الذي نشر يعكس في جانبِ كبير منه رؤيتكم الخاصة.

لا أقول أن بعض الشخصيات قد ظُلمت وفق تقييمكم، ولكن ربما كان من الممكن مراعاة بعض الحساسيات التي سيولدها الكلام المنشور في الكتاب، دون أن يلغي ذلك طبعاً أهمية حرية الرأي والنشر التي تبقى ميزة من ميزات لبنان حتى إشعار آخر والتي ساهمتم، على طريقتكم، في الحفاظ عليها وتحصينها.

في المقابل، ليس خافياً على أحد مدى تأثير كلماتكم لدى الرأي العام، والسبب في ذلك مهنيتكم وسعيكم الحثيث لممارسة الصحافة والتحليل السياسي، إنطلاقاً من القراءة والبحث والحصول على المعلومات وليس من زاوية التحليل المنفصل عن الواقع أو التحليل الذي تتم "قولبته" لصالح رؤية معينة.

والواضح كذلك، بين دفتي هذا الكتاب الذي يدمج بين المذكرات الشخصية والمذكرات السياسية في مكانِ معين، أن ثمة هواجس رافقتكم طوال حياتكم وقد عبرتم عنها في معظم الفصول، وهي تلك المتصلة بهاجس الابتعاد عن الارتهان المادي، وتالياً السياسي، لأي طرف من الاطراف ما أتاح لكم الحفاظ على استقلاليتكم ومهنيتكم في العمل الصحافي؛ والأهم أنكم فصلّتم ما تقاضيتموه من رواتب أو مخصصات من هذه المؤسسة أو تلك، ومن هذه الشخصية أو تلك.
 
 لن أتمكن في هذه الرسالة من مناقشة الكثير من الافكار والمعلومات التي وردت في كتابكم. واذا كنت أقدر ما ورد فيه عن الشخصية التي اعتبر نفسي قريباً منها، عنيت رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط (الصفحة 215-216) ففيها من الإيجابية ما يفوق تقريباً تقييمكم لمعظم  الشخصيات الأخرى؛ إلا أنني أود أن أضيف الى مخاوفه الثلاث التي ذكرتموها (حياته، زعامته، طائفته)، مخاوفه الدائمة على السلم الاهلي والاستقرار، فهو دفع أثماناً باهظة من رصيده السياسي والشعبي تحقيقا لهذه الاهداف، مستخلصاً دروس الحرب ومعترفاً بشجاعة بأخطاء الماضي، وساعياً بكل امكانياته لتلافي تكرارها أو مجرد الاقتراب منها.

ختاماً، أتمنى أن تنشر مقالاتك في كتب (وليس كتاب) لا سيما أنها تؤرخ لمراحل هامة من تاريخ لبنان المعاصر، ويفترض ان تكون ملكاً للباحثين والصحافيين والرأي العام عموماً. وأتمنى ألا تمس ملاحظاتي بصداقتنا التي أعتز بها، وهي أقرب لان تكون صداقة التلميذ بالأستاذ.