لبنان بلد الأزمات المتجددة والتسويات المستحيلة!

وهيب فياض |

لبنان بلد الأزمات المتجددة والتسويات المستحيلة، على مدى السنين، والخاضع دائما لوصاية، سواء كانت ظاهرة أو مستترة، سلبية أو إيجابية، فردية الجانب أو متعددة الجوانب. 

منذ عام 1860، تاريخ أول تسوية بين الدروز والموارنة، بعد حروب الاخوة على النفوذ والسلطة، في ظل رجل الشرق المريض، وبوصاية دولية أنتجت نظام المتصرفية. 

وتكر السبحة، حروباً وتسويات ووصاية الانتداب الفرنسي، وتقسيم السلطة بين الطوائف، بعد حرب باردة لتحديد معالم حدود لبنان الجغرافية، ومعالم حدود حقوق الطوائف تجاه بعضها، يوم نام الشيخ محمد الجسر رئيساً مسلماً للجمهورية، وافاق على رئيس مسيحي. 

ثم حرب الإنكليز والفرنسيين التي أنتجت معركة الاستقلال، وضمنها تسوية مارونية سنية سميت بالميثاق الوطني، تحت وصاية مزدوجة. 

وبعدها حرب حلف بغداد، الباردة أيضاً مع بعض سخونة ثورة 1958، مع تيار العروبة، التي أنتجت تسوية فؤاد شهاب، المبتعد عن طروحات الأمة اللبنانية، باتجاه طروحات العروبة، تحت مظلة مصر عبد الناصر، مع الحفاظ على أن يكون اللقاء في خيمة على الحدود، حفاظاً على توازن القوى.

 

وبعدها الحرب الأهلية المشؤومة التي فرضت خلالها وصاية فلسطينية، غير معترف بها، ولكن وثيقتها الأساسية تبقى إتفاق القاهرة، وقد دفع لبنان ثمنها تشرذم وتشظي الدولة ومؤسساتها، وانفراط عقد الطوائف، الذي كان من نتائجه تقاسم البلد بين وصايتين، اسرائيلية على جزء منه، وعربية بقيادة سورية على الجزء الآخر. 

إلى أن قضى السياق الطبيعي، ومنطق التاريخ والانتماء، إلى انحسار خلايا السرطان الإسرائيلي عن جسم الوطن، لصالح الوصاية السورية، المحتاجة لتوازنها مع موازن عربي جسدته المملكة العربية السعودية، ومن ثم قطر في فترة اعتمادها وكيلا حصرياً لأميركا، مع اهتزاز وتمايل وترنح التسوية المسماة الطائف، تحت ضربات مطرقة الوكالة الحصرية لحزب الله بالمقاومة، التي اعتمدتها سوريا، رديفاً وبديلا عن انحسار سطوتها ووصايتها. 

في كل مرة كانت هناك حرب، باردة أو ساخنة، وتسوية هشة او متوسطة التماسك، ووصاية سلبية أو إيجابية. 

أما اليوم، فليس من عاقل، يراهن على استمرار التسوية الأخيرة منذ الطائف، مع خروقها وندوبها وكثرة الرقع فيها، وترهل قماشها إلى حد التمزق عند تعرضها لأقل ضغط. 

وليس من عاقل يتوقع، تسوية عميقة، في ظل فائض القوة واختلال موازين القوى، كما لا يرغب عاقل في الوصول إلى تسوية بعد حرب ساخنة أو باردة. 

اما الوصاية فلها شان آخر، فالوصايات على لبنان، أصبحت تراثاً أو فولكلوراً، رغم عدم اعتراف اللبنانيين به.

ولكنها لم تكن وصايات سلبية باستثناء تجربتين مُرّتين الأولى هي وصاية إسرائيل التي أسقطها الشعب اللبناني، وأسقط معها اتفاق 17 أيار، بدماء رجاله، وعزم مقاوميه منذ العام 1982 وحتى العام 2000، والثانية هي إسقاط الوصاية السورية بعد تغولها، وتحولها إلى شبه احتلال بالقوة العسكرية المفرطة، ومصادرة القرار الوطني، والانزلاق من دور المنقذ إلى دور الجلاد، وذلك عبر ثورة الأرز، وما تلاها من تضحيات وضحاياِ.


 
لبنان، بعد حروبه الداخلية الصغيرة منذ إتفاق الطائف، وبعد الحروب الكبيرة في الإقليم، وما افرزته من انتصارات وهزائم، وانحسار نفوذ وتمدد آخر، وبكل انعكاساتها على الأطراف اللبنانية، المتعددة التوجهات، قوة وضعفاً، وانتصارات وهزائم، واعجاب بالسطوة، أو انعدام ثقة بالنفس، فهل لبنان على موعد كما في كل مرحلة من تاريخه،  بعد كل حرب، مع تسوية مستحيلة، ووصاية مستجدة. 

فأما التسوية، فلا يمكن بناؤها بين معجب بسطوته، ومنعدم الثقة بنفسه، لأنها تسوية لا تدوم ولا تعمّر، بل بين من لا تسكره خمرة القوة ولا يفقد رشده بالسطوة وبين من يحافظ على ثقته بنفسه ايام الشدة محتفظا برباطة جأشه اطول مدة. 

وأما الوصاية، فلربما جاء الوقت للاستغناء عنها، سلبية كانت ام إيجابية، وتحويل هذا الوطن، من وطن قاصر ومعاق، إلى وطن كامل الأهلية لإدارة شؤونه بنفسه، برجال دولة حقيقيين، يستطيعون عقد التسويات المشرفة، وبناء دولة حقيقية.
 
الاستحقاق داهم، والبلد مترنح سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وربما عسكرياً، والنظام القديم لم يعد صالحا للزمن الآتي، واللبنانيون تواقون إلى أمرين: دولة حقيقية وحرية لا ينغصها سجّان، وهذان الأمران لا يتحققان بإعادة توزيع المغانم والمناصب على الطوائف بل بجعلها للوطن بكل ابنائه، وبإنتاج عقد جديد بين الوطنيين  الشجعان، ورفض الوصي أياً كان، فهل هناك من يسمع، وإذا سمع هل يستطيع؟