لا ناقة للبنان ولا جَمَل

العدوان الإسرائيلي السافر على الأراضي اللبنانية جاء في توقيت قاس، وفرض نفسه أمرا واقعا على الحياة السياسية والأمنية، بينما كان الجميع يحاول الانكباب لمعالجة الاختناق المخيف الذي تسببه الصعوبات الاقتصادية والمالية التي تواجه البلاد والتي تحتاج لجهود جبارة لتجاوزها، كما أنها تحتاج للاستقرار قبل أي شيء آخر.

وقد رافق سقوط الطائرتين المسيرتين في الضاحية الجنوبية لبيروت ـ معقل حزب الله ـ فجر الأحد في 25 أغسطس غموض كبير، لناحية كيفية سقوطهما، ولناحية عدم تبني «إسرائيل» لإطلاقهما، ولكون المسافة التي يمكن أن تنطلق منهما الطائرتان تتراوح بين 15 و40 كلم، وهذا يعني أنهما لم ينطلقا من أراضي العدو.

وعلى هذا الغموض بنيت مجموعة من التحليلات والاستنتاجات والمخاوف في ذات الوقت، خصوصا لأنه سبق سقوطهما عدوان إسرائيلي على مواقع لقوات تابعة لحزب الله وللحرس الثوري الإيراني جنوب دمشق، كما تلا سقوطهما عدوان آخر على مواقع قوسيا التابعة لـ«الجبهة الشعبية - القيادة العامة المتبقية من زمن الوجود السوري في البقاع اللبناني».

هذا الغبار السام الناتج عن العدوان والذي لف الأجواء في لبنان، طرح تحديات من نوع جديد، كما طفت على سطح الأحداث مجموعة من المخاوف تتعلق بالمستقبل، لاسيما بعد الخطاب الذي ألقاه أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله في أعقاب العدوان، والذي هدد فيه بالرد في لبنان على أي استهداف لقواتهم في سورية.

وبطبيعة الحال، فإن المعنى السياسي لهذا الكلام يؤكد ربط لبنان بالكامل في حلقة الجنون التي تشتعل في المنطقة برمتها على خلفية الصراعات بين القوى الإقليمية والدولية الكبرى، وليس للبنان «لا ناقة ولا جمل» في هذه الصراعات الدولية التي تخفي أطماعا إسرائيلية وغير إسرائيلية في المنطقة العربية برمتها، ومن أهدافها ايضا تدمير الواقع العربي برمته في لبنان وفي سورية وفي العراق.

المجلس الأعلى للدفاع الذي دعا إليه رئيس الجمهورية ميشال عون، والذي على ما يبدو بدأ يحل محل مجلس الوزراء المنوطة به السلطة التنفيذية، ورغم عدم ميثاقية مجلس الدفاع لناحية عدم تمثيله لكل المكونات، أصدر بيانا تضمن عبارات عامة وضبابية، خصوصا الكلام «حق اللبنانيين بالدفاع عن النفس ضد العدوان» وهذه العبارات أثارت مخاوف لأنها تعني تبني رسمي لأعمال عسكرية لجهات غير رسمية، مما يعطي شيئا من المشروعية للمواقف التي أطلقها السيد نصرالله، خصوصا منها التي توعدت بالرد على إسرائيل من لبنان، من دون تحديد المنطقة، فيما إذا كانت ضمن المساحة التي حددها قرار مجلس الأمن رقم 1701 او خارجها.

وهذا الأمر قد يخلق إشكالية كبيرة مع الشرعية الدولية، خصوصا ان لبنان تقدم بشكوى ضد إسرائيل أمام مجلس الأمن الدولي كون عدوانها يشكل خرقا لمندرجات القرار المذكور.

من الواضح أن الصراع ببعده الإستراتيجي لا يحسب أي حساب للمصالح اللبنانية، وليس للبنان أي تأثير على مجرى الأحداث الكبرى، وهو ساحة ليدفع ثمن صراع الآخرين فوق أرضه.

ولبنان يمر بأسوأ مرحلة من تاريخه، لأن تصنيفات المؤسسات المالية الدولية لم تسبق أن أعادت تقييمه الائتماني الى هذه الدرجة المتدنية منذ فترة طويلة.

والحروب التي تدور رحاها في المنطقة تحصل بين إسرائيل الحالمة بتحقيق أهدافها التاريخية العدوانية وإيران التي لا تخفي رغباتها في توسيع دائرة نفوذها الإقليمية، ومن خلفهما قوى دولية كبرى لديها مصالحها الإستراتيجية، وكل ذلك يجري على أرض عربية مستباحة لقوى التوسع وقوى العدوان، ومن هذه الأرض العربية لبنان بطبيعة الحال.