وليد جنبلاط... تغريدة وصورة


لا نستغرب هذه الحنكة والدهاء، وهذا الكم الهائل من المعرفة والثقافة. وكيف لا وهو ابن الفيلسوف، ابن المعلم كمال جنبلاط.
لتغريداته أصداءٌ تدوي في كل بقاع الأرض، وننتظرها بشوق، ونتهافت للرد عليها. فوراء كل تغريدة قصّة، وفي كل قصّة رسالةٌ ممزوجة ما بين الغموض والشفافية.

أستذكر معكم بعضاً من آخر تغريداته. ففي إحداها ألصقَ صورةً للوحةٍ بعنوان: The Invisible Enemy Should not Exist أو، "العدو الخفي يجب أن لا يعيش"، للفنان مايكل راكوفيتش، وهو فنان أميركي عراقي الأصول، ويعمل بتقنية إعادة الإعمار في التاريخ. تمكّن هذا الفنان من الإضافة على مفهوم العنف والقوة من خلال أعماله، كما سعى لفترةٍ طويلة إلى خلق الآثار المضادة لعقول الناس، ومحاولة محو التاريخ من أذهانهم. وجاءت تغريدة وليد جنبلاط هذه بعد جلسة المصارحة والمصالحة التي تمّت بعد أحداث البساتين، كرسالةٍ إلى كل من يسعى لافتعال الفتن والإطاحة بالصلح الأهلي، وخاصة بعد استمرار بعضهم بالهجوم على لقاء بعبدا، محاولين إبعاده عن المنحى اللازم. فكانت هذه الرسالة هادفةً للتذكير بتاريخ لبنان، وبالدور البارز الذي ما زال يلعبه الدروز بقيادة الزعامة الجنبلاطية في بناء الدولة.
كما وفي تغريدة سابقة، وبمناسبة عيد الأضحى، أي حين أرفق صورةً لتمثال طائر البجع المذهّب الذي يتواجد في جامعة Copo Christi في أكسفورد، و Corpo Christi تعني جسد المسيح. وتأتي دلالةً على هذا الطائر وفي هذه الوضعية، أي وهو يطرق على صدره عبارةً عن تضحية الأم بنفسها كي تسقي صغارها من دمها، كما فعل السيّد المسيح حين ضحّى بجسده لأتباعه. 

وذلك باعتبار أنه والحزب التقدمي الاشتراكي قد ضحّوا على مرّ السنين من أجل تحقيق الوفاق الوطني، والحفاظ على السلم الأهلي، وعدم جرّ البلاد إلى ما لا تُحمد عقباه. 

وكانت هذه التغريدة متزامنةً أيضاً مع لقاء بعبدا حيث اعتبر الزعيم وليد جنبلاط نفسه مضحيّاً بتنازله عن عدة شروط في قضية حادثة البساتين، وذلك رغم الضغط الهائل الذي كان يتعرّض له من مناصريه، قبل أعدائه، في السياسة، وهو فعل ذلك فقط لإنهاء التوتر الحاصل في الجبل، وحقن الدم، وعدم التفريط بالمصالحة التاريخية التي رسّخها مع الراحل البطريك صفير.

ومؤخراً، وبعد زيارته لبيت الدّين تلبيةً لدعوة الرئيس عون على مأدبة الغداء، غرّد وليد جنبلاط عبر حسابه باعثاً برسالة لجميع الأطياف السياسية، داعياً إيّاهم إلى التوحّد، والتعالي عن الخلافات الآنية لتوحيد الرؤية الاقتصادية والإصلاحية في أسوأ ظرفٍ يمرّ على لبنان، ومؤكداً على أن لبنان قادرٌ على النهوض من هذا المستنقع، وتخطي هذا الوضع الإقتصادي، وبضرورة الإمساك اليد باليد. كما استعان في تغريدته هذه بصورة لتمثال "Lucius Calpurnius Piso"، وهو من أبرز أعضاء مجلس الشيوخ الروماني في عهد الامبراطورية المبكرة. وكان موضع ثقة لدى بعض الأباطرة، إذ سمّوه بالمُبشِّر، كما وعيِّن قنصلاً للامبراطورية فيما بعد، وتمّ إرساله لإخماد العديد من الثورات التي اشتعلت في وجه الامبراطورية الرومانية في بدايتها. فكانت هذه التغريدة موجّهةً لكافة الأفرقاء السياسين دون استثناء، بينما خصّ بتلك الصورة الرئيس عون، في محاولة منه لحثّه على التمثّل بِ "PISO" والعمل على إخماد نار الفتنة المتنقلة من منطقة إلى أخرى، والحد من هذه الخطابات الاستفزازية، وتفادي السقوط مجدداً في قبور الحرب بعد فَتْحِ أبوابها من قِبل بعض المقربين منه.

فما نلاحظه من خلال هذه الصور هو كيفية نقل وليد جنبلاط الواقع إلينا بمختصر الكلام المفيد، وبصورةٍ مرفقة، إمّا أن تكون تتمة لرسالته، وإمّا أن تكون رسالةً أخرى. وكأن التغريدة وحدها لا تكفي، ولا تشفي غليله، فيخلق هذه العلاقة بين الصور ومضمون تغريداته. ويكمن ذكاءه المعهود في انتقاء هذه الصور، وكأن الكون مجلّدٌ للصور في فكره يزوره من باب الكلمات، فتكون محط أنظار العالم مشروعاً تحليلياً للوسط الصحافي، والمحلّلين السياسيين.
كعاشقٍ يتقن فن التصوير، ويهوى جمع الصور، لا حدود لمعرفته. ولبصيرته بُعدٌ تخطى كل الحدود. يأتينا بصور غامضة. صور غريبة، لا يفهم دلالتها إلا من يعرف وليد جنبلاط حق المعرفة، أو من لديه القدرة على استيعاب فكره وبُعدِ نظره. فغالباً ما تكون هذه الصور بعيدةً عن البصر. لكن، وبالرغم من بُعدها، تكون قريبةً بما يكفي لإعطاء تغريدته بصمةً فريدة، كطابعٍ بريديٍ يختم به رسالته، علّها تصل الرسالة...