السودان أمام تحديات قاسية ومسارات التحول غير مكتملة العناصر!

26 آب 2019 11:39:26

بدأ السودان تجربة جديدة من نظام الحكم، يتشارك فيها العسكر والمدنيين في مجلسين مختلطين (مجلس سيادي ومجلس وزراء)، تجربة لا تبدو أنها سهلة المنال فالعقليتين وخلال فترة الحوار التي امتدت على مدى ثلاثة أشهر لم تكن سهلة التوافق، فالمعارضة المدنية اثبتت تماسكها وصلابتها، والقيادة العسكرية وجهت بعض الرسائل الدموية وضعت البلاد على حافة حرب أهلية، وإذا كان الاتفاق الذي وقعه الطرفين تحت مظلة الوساطة الإفريقية التي رعت المبادرة الأثيوبية، التي احتفل السودانيون السبت الفائت ويدخل حيز التنفيذ مطلع أيلول القادم، بعد ان اتفق الطرفين على ترتيبات المرحلة الانتقالية، واختارا ممثليهم إلى المجلس السيادي الذي سيرأسه الفريق أول عبد الفتاح البرهان في النصف الأول من اشهر المرحلة الانتقالية الـ 39، ويتولى الخبير الاقتصادي الدكتور عبد الله حمدوك رئاسة مجلس الوزراء، الذي وصف وضع البلاد "بالتركة الثقيلة".

وإذا كان العديد من المراقبين يرون أن السودان تجاوز الى الآن، التهديدات الأمنية ونجح من خلال الاتفاق الذي وقعه "المجلس العسكري"، وقوى "إعلان الحرية والتغيير"، بترتيب آلية العبور في المرحلة الانتقالية على اعتاب سلطة بجناحين عسكرية – مدنية، يأملون أن ينجح ربان السفينة في إبقاء الجناحين متماسكين ومنسجمين ليتمكنا من التحليق باتجاه رؤية وطنية واحدة تعبر بالبلاد نحو بر الأمان والاستقرار والديمقراطية الصحيحة، وفي تجاوز أعباء المرحلة الانتقالية على مدى 39 شهرا، بما تحمله من صعاب وتحديات أمنية واقتصادية.

يتوقع الخبراء المراقبين للتحولات التي عصفت في السودان خلال الأشهر الماضية، أن يتمكن رئيس المجلس السيادي عبد الفتاح البرهان، من تعليق عمل الميليشيات التي انتجها النظام السابق، وكذلك ما يعرف بكتائب الظل، والتي ستنزوي وتضمحل إذا ما سحب الغطاء السياسي والأمني عنها، ولن تقوى على مواجهة 40 مليونا سوداني، احتفلوا بتوقيع الاتفاق، سيما وأن ما يسمى (كتائب الظل) لا تعدوا كونها مجرد مجموعة موظفين ترتدي الملابس العسكرية حين يطلب منها ذلك، وأن تفعيل عمل الحكومة المدنية وأجهزتها، كفيل بتشذيب الإدارة وتطهيرها، ودفع الموظفين نحو تغيير أساليب عملهم التي اعتادوا عليها سابقا، كما يراهن بعض الخبراء على قدرة المجلس السيادي إعادة تنظيم عمل الأجهزة الأمنية ودورها، ومنع تداخل مهامها والتعدي على مهام بعضها البعض، فجهاز الأمن مثلا ستكون مهمته فقط جمع المعلومات وتحليلها وتقديمها للجهات المسؤولة، اما الشرطة فهي المعنية بأمن المواطن وسلامته.

المشهد الأكثر تعقيدا برأي المتابعين هو المشهد الاقتصادي المنهك، والمثقل بالفساد والديون، فاختيار الخبير الاقتصادي وخبير إصلاح القطاع العام والحوكمة والاندماج الإقليمي وإدارة الموارد وإدارة الأنظمة الديمقراطية، الدكتور عبدالله حمدوك لرئاسة الوزراء، تطمئن السودانيين والمتعاملين معهم من مؤسسات دولية وبرامج تنمية عالمية، لكنها تضع حمدوك وحكومته أمام مهام صعبة وكثيفة التشابك والمشكلات،

وتنتظرها خزائن خاوية، وديون خارجية بقيمة 56 مليار دولار، ما يتطلب من حمدوك الاستفادة من علاقاته الإقليمية والدولية، لتعزيز مناخ الانفتاح الدولي، وإخراج بلاده من قبضة العقوبات الدولية المفروضة عليها.

وهذا يستدعي النظر الى الحكومة الجديدة التي سيشكلها حمدوك، والمتوقع ان تضم نخبة من الكفاءات، بعد أن حدد أولوياتها في أول مؤتمر صحفي له إثر آدا القسم الدستوري، حيث استعرض حمدوك أولويات برنامج حكومته التي ستتولى "إيقاف الحرب وبناء السلام المستدام".

كما تحدث عن رؤى اقتصادية ستساهم في معالجة الاختلالات التي يعاني منها اقتصاد السودان.

وهي معالجة الأزمة الاقتصادية القاسية، وبناء اقتصاد وطني يقوم على الإنتاج وليس على الهبات والمعونات، مشيرا إلى أن السودان بلد غني ويستطيع الاعتماد على موارده الذاتية، وقال أن هذه الموارد تؤهل السودان "ليصبح في مصاف أعظم الأمم".

وفق الجدول الزمني السوداني الجديد وبعد انطلاق العمل بمواد الوثيقة الدستورية، حيث تم تشكيل المجلس السيادي وتأديته القسم الدستوري وتعيين رئيس الحكومة، ينتظر أن يُعقد أول اجتماع مشترك بين المجلسِ السيادي ومجلسِ الوزراء في الأول من أيلول المقبل، مما يعني أن أمام حمدوك أياماً محدودة لتشكيلِ حكومته.

وتنص الوثيقة الدستورية على أولوية إرساء السلام في مناطق النزعات بالسودان خلال الأشهر الستة الأولى من الفترة الانتقالية، إلى جانب عمل الحكومة على إعداد إصلاحات قضائية واقتصادية.

ونصت الوثيقة أيضا على كيفية اختيار مجلس الوزراء والمجلس التشريعي والإشراف على الأجهزة الأمنية.

بانتظار ان تنطلق الخطوات التنفيذية لتطبيق كافة نقاط الوثيق، وانخراط السودانيين في ورشة الإصلاح الوطنية، والتحول بالسودان من دولة ذات نظام أحادي ديكتاتوري فاشل، الى نظام ديمقراطي تعددي مستقر، يحقق العدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية والنمو الاقتصادي، مما لا شك فيه فإن التجربة السودانية الجديدة المحفوفة بالمخاطر، سيكون لنتائجها آثاراً فاعلة ومؤثرة في مستقبل القارة الافريقية وأنظمة دولها كافة.

فما شهدته تونس ومصر من تحولات بطيئة لم تكتمل مساراتها بعد، وما تشهده ليبيا من حرب دموية أهلية بعناصر إقليمية، وما تشهده الجزائر من تحولات جذرية أيضا بعد الإطاحة بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة، واستمرار الانتفاضة الشعبية فيها حتى الان، بصورة راقية لم تشهدها الجزائر من قبل، وما تشهد زيمبابوي من مظاهرات واحتجاجات كبيرة تواجهها السلطات فيها بممارسات قمعية عنيفة، ستستفيد من تجربة السودان وتحولها، لما لهذا البلد الكبير بعديده وتنوعه وغنى مقوماته، من تأثير على الجيل الشبابي الصاعد في افريقيا،

فالقارة السوداء تضج اليوم بحيوية الشباب، حيث يبلغ متوسط الأعمار فيها نحو 19 عاما، يعيش معظمهم في المدن ويتطلعون إلى غد أفضل، وهم على دراية كبيرة بالتكنولوجيا وعازمون على أن تكون لهم سيطرة اكبر على حياتهم ومستقبلهم.