الغسق الطويل

أكثر من نصف قرن يربطني بصحيفة "لوموند". حياة بأكملها أو ما يقارب ذلك. منذ زيارتي باريس في العام 1969 تحولت "لوموند" إلى مرجع سياسي وأدبي بالنسبة لي. كنت أرافق والدتي مي جنبلاط، السيدة الطليعية والرائدة في المجالات الاجتماعية والسياسية، وربما الثورية إلى حد ما، إذ كانت منخرطة في كل الجبهات، من الثورة الجزائرية إلى بن بركة، دون نسيان القضية الفلسطينية طبعاً. لقد أثرت علي والدتي كثيراُ حتى رحيلها في أيلول 2013. من ناحية معينة، تبدو "لوموند" مرتبطة بذكرى والدتي الخالدة.

لكن "لوموند" تذكرني أيضاً بوالدي. في اليوم التالي لاغتيال كمال جنبلاط في 16 آذار 1977، عنون أندريه فونتين مقاله الافتتاحي في الصحيفة "إهانة المستقبل". كان الصحافي الكبير مؤرخاً كبيراً أيضاً. هل نظر بعيداً، بعيداً جداُ، من خلال هذا العنوان؟ إذ مع اغتيال كمال جنبلاط بدأت رقصة الموت  المشؤوم التي تقودها دمشق، والتي حصدت على مدى عقود، أكفان مئات اللبنانيين والفلسطينيين والسوريين ... المستقبل لم يتعرض للإهانة اليومية منذ آذار 1977 فحسب، بل تعرض للهلاك والابادة تحت الأنظار اللامبالية لمجتمع دولي أثبت مرة أخرى أن لا فائدة منه عندما يتعلق الأمر بمنع موت الأبرياء بسبب الحرية.

كتب فونتين في افتتاحيته، "الوصاية السورية التي أنشئت باسم النظام العام، لم تفلح في منع هذا الاغتيال، وسمحت رغم الاستياء الظاهر، باستمرار الوضع الذي أوصل إلى الحرب الأهلية. واستمرت هذه الحرب طويلاً في النفوس، رغم أنها خمدت في الظاهر على يد جنود دمشق، إلا أنها لم تعالج في الجوهر". كان فونتين على حق، والأسوأ من ذلك أن صدى كلماته لا يزال يتردّد بعد أربعين عاماً.

1969، 1977، ومع هاتين السنتين المرتبطتين بالحنين والمأساة، نشأ نوع من التمازج مع "لوموند" التي أصبحت بالنسبة لي، المرجع الرئيسي للسياسة الإقليمية والدولية. لقد قطعت بالطبع سنوات الحرب الأهلية هذه العلاقة، لكن وعلى سبيل المثال، لا أنسى أبداً أثناء حصار بيروت في العام 1982 على يد القوات الإسرائيلية، كيف كان مراسل "لوموند" جان غيراس، يتنقل صباح كل يوم بين الجبهات المختلفة عندما كان ذلك ممكناً، متسلحاً بحقيبة صغيرة مثبتة بشكل جيد على كتفه. ثم جاءت فرنسواز شيبو، الفاتنة والشجاعة جداً.

لقد اعتدت على مر السنوات أن أجمع وثائق "لوموند" في مكتبتي. لا تزال هذه الوثائق موجودة. لكن مع الأيام فقدت هذه العادة. اليوم، هيمنت وسائل التواصل الاجتماعي حيث لا يمين، ولا يسار في عالم ينحرف، يدمّره صعود المتطرفين، وينزلق تدريجياً نحو الشعبوية والقومية.

هذا كل ما أتذكره اليوم عن علاقتي مع هذه الصحيفة الكبيرة. أعتذر عن بعض الهفوات أو سقطات الذاكرة. لكن رغم هذا الليل الطويل الذي لا ينتهي، أريد أن أستمر في الاعتقاد أنه كما قال صلاح ستيتية "قبل وبعد النسيان، هناك غسق طويل هو الحياة".

«Pensées du crépuscule»