تذكروا يوم قال وليد جنبلاط: أصالح رجالا وأخاصم رجالا

ربيع سرجون |

إلّا الحماقة، فقد أعيت من يداويها. تناسى هذا الذي يريد توزيع مقاعد الشوف وعاليه، أنه لا يدخل إلى المجلس النيابي إلّا على مقعد شاغر، منّ عليه به وليد جنبلاط، حفاظاً على كنيته، والدار التي ورثها، ولأن وليد جنبلاط، رجل يصادق رجالاً ويخاصم رجالاً، يمتثل لقيم الوفاء التي يرتكز عليها الدروز. بينما من يستصغرون أنفسهم، لا يجيدون غير منطق الوشوشة، وإذا كان هذا ما انفضح منها، فماذا في الخفاء بعد؟

 

جملة بسيطة، لأرسلان المدعي السعي لتكريس نفسه زعيماً درزياً، أعادته إلى خانة "التلميذ" الذي لا يتمتع بنجابة أو نباهة، فلا يجد غير الوشاية طريقاً لكسب ودّ أساتذته، ومن قلّ احترامه لنفسه ولعائلته ولأترابه، هو الذي يلجأ إلى هكذا منطق، وكأن الدروز ينتظرون من يوزع أصواتهم، أو مقاعد، أو من يمثله في جلسة ابتياع النفس، وتقديم أوراق الاعتماد، أو إعلان البيعات والولاءات لمن هو منهم، لكنه مهجوس بخانة إضعاف. لأن الضعيف عندما لا يثبت نفسه أمام الأقوياء، يسعى إلى إضعاف بيئته ليصبح مؤثراً فيها، أو صاحب دور.

 

تماماً كما يفعل كل ضعاف النفوس وناكري الجميل الذين لا يجدون لهم أماكن بين الكبار فيجمعون الصغار ليجعلوا من أنفسهم كباراً عليهم، أو بمعنى أوضح يتكبرون ويتجبرون عليهم باعتبارهم أضعف منهم نفساً، وأكثر منهم مهانة، وأبرع منهم في امتهان الذل. هذا المنطق المؤامراتي، الذي كشفته ثوانٍ قليلة، يوضح كيف أن هذا النوع من الناس، ينتظر لحظة النهش بالخصوم وأبناء الجلدة، وهو يستعد لبيع كل ما لديه من كرامة وولاء على أبواب أسياد البلاط، والمشكلة الأقسى هي أنه في غياب ثقل النفس وعزّتها، وحالة الهوان التي تصيب بعض الجماعات، تتحول أشخاص بلا أوزان إلى ثقلٍ مرجّح، لكنهم لا يكونون غير ريشة بخفّة عقولهم ووزنهم، وعند أول استحقاق يتناثرون، وتتقاذفهم رياح، وتدوسهم أرجل.

 

قيمة الريشة، في تعاضدها مع أخريات على لحم الطير وفي أجنحته، وبتلاحمها تجعله يحلّق عالياً بحرية فوق كل المصاعب والمكامن. وعندما تخرج من لحمتها تساوي نثرة غبار، تكنسها الحقائق والنصاعة على قارعات الطرق. ومن تنبذه حقيقة مجتمعه، بسبب ضعفه وهوانه وذلّه، يتحول إلى حاقد، ومنَ الحاقد لا بدّ من توقّع كل سوء، فالحاقد يصبح عميلاً، وواشياً، ولا يجيد غير دور المخبر الصغير بحثاً عن منقذ لمن يلعب دور الذباب في مواجهة الصقور.

 

ما فضحته الوشوشة، ليس برسم أصحابه، لأنهم لا يجدون أنفسهم خارج مستنقعات آسنة، متحجرة في رؤوسهم، ووضيعة في أفكارهم، تستنصر لنفسها بالدم أو بنبش القبور، ولا تتوانى عن نكران الجميل، والطعن عند أول مفترق. ما جرى هو برسم اللبنانيين، ومن يحترمون أنفسهم وعقولهم لمواجهة من يستثير الفتن بحثاً عن دور، ومواجهة من يهوى الوشاية لدى المفتنين، لعلّه يستر عوراته ببعض الإعارات، نيابية كانت أم وزارية أم إدارية. "حظّ واعطيتك، بس كرامة من وين بجبلك؟" وبالتأكيد أن ليس الدروز مَن يتسامحون في هوان الكرامة، أو في الإستزلام أو استخدامهم لشق الصفوف بأتفه الصنوف. وليس الدروز من يرضى بمن يريد لهم أن يكونوا أصحاب ذمة. جذورهم معروفة، وتاريخهم يشهد. فهم أحياء في قبورهم ينتصبون، وليسوا أمواتاً في حيواتهم يُذلّون ويستزلمون.