عن معيار العلاقة مع "العهد"!

يخطئ من يظن أن ثمة رغبة دفينة لدى بعض القوى السياسية اللبنانية لـ"إسقاط" العهد أو وضع العثرات أمام تحقيق المنجزات، لا سيما إذا كانت تلك المنجزات من النوع الذي يصب في مصلحة اللبنانيين جميعاً، كالقضايا الإقتصادية والاجتماعية والمعيشية التي يشكل الفشل فيها أحد أسباب الاحباط الجماعي اللبناني والهجرة المتنامية.

وباستثناء القوى العبثية التي لا تفتش سوى عن مصلحتها السياسية والفئوية والطائفية المباشرة، ثمة قوى سياسية كبيرة في البلد لها تاريخها النضالي والسياسي، ولها مسارات عديدة ومتنوعة في العمل الديموقراطي ومحاربة الطائفية السياسية والسعي نحو العدالة الإجتماعية، والأكيد أن هذه القوى لا تبحث عن سجال مجاني مع أحد خصوصاً مع "العهد".

مناسبة هذا الكلام، إنتقال الحزب "التقدمي الإشتراكي" من موقع المواجهة مع رئيس الجمهورية على خلفية موقفه من أحداث البساتين، إلى موقع الترحيب به في قصر بيت الدين لتمضية عطلته الصيفية في قلب الشوف.

وهذا الانتقال السياسي، إذا صح التعبير، معاييره واضحة ومحددة: عندما يكون رئيس الجمهورية على مسافة واحدة من جميع اللبنانيين، فمن الطبيعي عدم افتعال السجال معه أو الدخول في ما يمكن تسميته "تعطيل العهد"، لا سيما أن سياسة التعطيل إشتهرت بها قوى سياسية محددة تارة تحت عنوان "الميثاقية" وطوراً تحت عنوان "توزير الخاسرين في الإنتخابات"، إلى ما هنالك من أمثلة عديدة تساق في هذا المجال.

أما عندما يستخدم "العهد" سياسة الانحياز مع طرف ضد آخر، فذلك يعطل دوره كحكم بين اللبنانيين، يقف على مسافة واحدة منهم جميعاً، ويسعى إلى التقريب بينهم من خلال إقامة حوار سياسي بين القوى المختلفة (وليس المصالحة العشائرية، مع التقدير للعشائر التي تحترم كلمتها وتلتزم بها).

المهم إعادة تكريس ثلاثية الدستور والقانون وكل مضامينه، وألا يسمح بحصول تداخل بين المؤسسات، فتتدخل بعض رموز السلطة التنفيذية بالسلطة القضائية وتضغط عليها لإصدار اتهامات قضائية تتلاءم مع الأهداف السياسية، وأن تكون جميع القوى تحت القانون، فلا يتم فرض الشروط المسبقة على القضاء والامتناع عن تسليم المطلوبين.

لقد رسم إتفاق الطائف معادلات داخلية وأعاد رسم حدود الصلاحيات الدستورية وفق قواعد جديدة، والتلاعب بها لا يؤدي سوى إلى رفع منسوب التوتر من دون طائل، فلماذا خوض هذه التجربة القاسية وتعريض البلاد لاهتزازات نحن بغنى عنها؟ 

الواضح أن ثمة مرحلة سياسية جديدة إنطلقت بعد لقاء المصالحة من بعبدا، وتحصينها واستكمالها يتطلب تعاون جميع الأطراف والإبتعاد عن سياسات التلاعب الصبيانية التي قام بها البعض وكادت أن تشعل البلاد!