"العهد القوي" وقلة التفكير والتدبير والحكمة

الذين رافقوا الاشتباك الشرس الخطير الأخير بين الزعيم الدرزي الأبرز وليد جنبلاط وخصمه الأمير طلال ارسلان، ورأوا بأم العين تحوّله معركة أكثر شراسة وخطورة، بين الأول ورئيس الجمهورية ميشال عون والـ”تيار الوطني الحر” برئيسه الوزير جبران باسيل الابن المدلّل للعهد، ثم معركة بين الأول أيضاً و”حزب الله”، شعروا بخوف كبير بل برعب عندما بدا أن المعركة المتعدّدة الأطراف صارت معركة "كسر عظم". ذلك أن الخاسر الفعلي فيها سيكون لبنان الدولة ولبنان الاستقرار الأمني على هشاشته، ولبنان الميثاقية المزيفة ولبنان الليرة القوية والاقتصاد الذي لا يشكو فقط من قلة مساعدات العرب والعالم له.

لكن انتهاءها وإن على الطريقة اللبنانية بـ"تبويس اللحى" خفّض نسبة الاحتقان السياسي – الطائفي – المذهبي – الشعبي، وحوّل الخوف المُشار إليه أعلاه قلقاً وإن مستمراً. وهو شعور اعتادوا عليه من زمان، لكنه تحوّل إدماناً عندهم في العهد الرئاسي الحالي أي عهد “التيار الوطني الحر”، نظراً الى عجز رئيسه ومساعديه عن ممارسة الحكمة والى الاستعاضة عنها بالاستفزاز والاستعجال، رغم أن ذلك كله انعكس سلباً على طموحاتهم على الأقل حتى الآن. علماً أن انعكاسه السلبي على البلاد صار عميقاً ودائماً. فالضرر الذي تسبب به هؤلاء لم يعد قابلاً للمعالجة والازالة رغم التسوية المعروفة لحادثة قبرشمون، ورغم انتقال الرئيس عون الى المقر الصيفي لرئاسة الجمهورية في بيت الدين بعد أيام من “انتهائها”.

إذ أن ما حصل لم يكن قليلاً، وما منع أصحاب النيات الطيبة من القادة والزعماء على اختلافاتهم حصوله كان كبيراً وخطيراً ومؤذياً بل مهلكاً للجميع. انطلاقاً من ذلك يعتقد بعض الحكماء في البلاد أن تفادي ذلك كان ممكناً، لكن المعنيين و”مدّعي” القوة في الدولة (الحكم) عانوا وعلى مرأى من اللبنانيين قلّة في التفكير والحكمة والتدبير. والاعتقاد هذا كوّنته معلومات أشارت الى أن أركان “الرئاسة” و”التيار” كانوا مقتنعين بأن وليد بك سوف “يلكّ” نتيجة الضغوط القوية الممارسة عليه ليس منهما فقط، بل من حليفهما الأقوى على الساحة اللبنانية والقوي على الساحة الاقليمية أي “حزب الله”، وبأنه سيخاف ويسارع الى التفاوض من موقع أضعف من أي موقع له سابقاً. لكنه فاجأهم وفاجأ حلفاءهم أو بالأحرى حليفهم الوحيد الى حد بعيد، كما فاجأ حلفاءه هو داخل طائفته الدرزية وفي البلاد عموماً.

والتفاجؤ كان الى حد كبير نتيجة قلة خبرة وقلة معرفة ليس بالرجل فقط بل أيضاً بالمراحل التي مرّ بها منذ ألبسه الدروز كلهم عباءة زعامتهم اللبنانية، وربما غير اللبنانية أيضاً بعد استشهاد والده المغفور له كمال جنبلاط عام 1977. اذ كان عند كل خضّة يواجهها وعند كل مشكلة أو حادثة دروزه أو الدروز كلهم طرفاً فيها يتحرّك على الأرض، ويتواصل مع الجميع ويواجه حتى جماعته بشراسة من أجل منع التداعيات السلبية. ولم يكن ذلك بسبب ضعفه بل بسبب حرصه أولاً على السلم الأهلي في البلاد، وثانياً على مصالحة الجبل بين دروزه ومسيحييه برعاية البطريرك مار نصرالله بطرس صفير. طبعاً يعترف البعض نفسه من الحكماء أن جنبلاط، ومنذ “رعاية” سوريا الأسد تطبيق اتفاق الطائف في لبنان عام 1989 وحتى خروجها منه، كان سيّد الجبل سياسياً ويتصرف كذلك معتبراً ذلك إرثاً من أجداده الجنبلاطيين بل الدروز عموماً، مرتاحاً وربما مبسوطاً لأن يكون مسيحيّوه العائدون اليه موالين له ولا سيما ممثلّوهم السياسيون.

ويعتبر هذا البعض أن “الاستقلالية” السياسية المسيحية التامة وحرية ممارستها كانت عليها قيود نتيجة التاريخ الحديث الدامي. لكنه يقول أن معالجة هذا الأمر على النحو الذي مارسه “التيار الوطني الحر” ورئيسه “الولي الواقعي” للعهد الحالي أعطى نتائج عكسية. إذ أن نبش التاريخ المسيحي – الدرزي القديم (1860) ثم الحديث عن أيام الحروب الاهلية وغير الأهلية، ومحاولة إعادة الانقسام الى الطائفة الدرزية وبكثير من التحدّي، والتلويح بالانتصار بالقوة لا الانتخابية والسياسية فحسب بل أيضاً بالقوة المسلحة للحليف الشيعي القوي، إذ أن ذلك كله أعاد جنبلاط خطاً أحمر، وأعاد الخوف من البقاء في قراهم للمسيحيين العائدين إليها بعد تهجيرهم عام 1983، ودفع “الحليف” المُشار اليه الى اعادة تقويم الحالة كلها بعد اختراقه الساحة المسيحية بقوة بتحالفه مع “التيار العوني” ومؤسسه العماد عون في شباط 2006، فوجد أن طموحه الى اختراق الساحة الدرزية سياسياً وكذلك السنية، وقد فعل ذلك، لن يكتمل بالطريقة التي يتصرف بها حلفاؤه المسيحيون. فهم يريدونه عسكراً لهم علماً أنه لم يسلَم من سلبيتهم في مواقف ومناسبات عدّة كانت الانتخابات النيابية إحداها. وهو يعرف أن “جرّه” الى حرب داخلية في بلد ومنطقة كل الحروب الدولية والاقليمية فيها تتم بالوكالة أي بالواسطة، سيؤثر كثيراً على قوّته وعلى رعاته الاقليميين وعلى طاقته على الدفاع عن لبنان من اسرائيل وأطماعها وحروبها عليه.

وتجربة منظمة التحرير الفلسطينية بأعضائها من الفصائل وبالفصائل الخارجة عنها، يوم كان قائدها (الراحل) ياسر عرفات مفجّر الكفاح الفدائي الحديث للعودة الى الأرض المغتصبة بعد “تحريرها”، انتهت بغزو اسرائيلي للبنان أخرجها والآلاف من مقاتليها منه، ودفعها لاحقاً الى التفاوض والى اتفاقات لم تنفذها اسرائيل عمداً رغم توقيعها إياها مع أميركا “زعيمة العالم”. وهو أي هذا الحليف الشيعي لا يريد ذلك، إلا إذا اضطر اليه بعد تقويم دقيق لوضعه ووضع حليفه الاقليمي القوي، وليس من أجل حليف محلي ثقته به تعرّضت مرّات عدة الى اختبارات قاسية. هل من إشارات أخرى الى قلّة التدبير والتفكير والحكمة؟