خصوصية الجغرافيا السياسية اللبنانية

قد تكون اللحظة التاريخية مناسبة للإضاءة على الخصوصية اللبنانية في المنطقة العربية الملتهبة، لكون هذه الخصوصية تحمل أكثر من غيرها تراكمات ذات طابع استراتيجي، وفيها تداخلات جيواجتماعية وجيوتاريخية وجيوعسكرية وجيوقومية، ويتحمَّل لبنان اليوم وزرَ الأزمات المتلاحقة والمتراكمة التي تعصف بالمنطقة على شاكلة واسعة، أو ربما أكثر من غيره من الدول، لأنه يقع على فالق مُهيأ لتلقي صدمات الزلازل السياسية وارتداداتها، وهو مكان خصب لتبادل الرسائل القاسية في كل اتجاه.

نجحت القيادات اللبنانية في تجنيب البلاد الوقوع في الفوضى التي سادت المنطقة المحيطة منذ ما يقارب العشر سنوات، ولعبت الرعاية الدولية جزءاً من الدور في تحييد لبنان عن بعض الأزمات الساخنة، خصوصاً الأزمة السورية، على الرغم من وجود رغبة جامحة عند بعض القوى - ولا سيما المؤيدة للدولة السورية - بتحويل لبنان إلى ساحة خلفية مساندة للنظام، ومن ثم حسم الخيار لناحية أن يكون لبنان جزءاً من قوى «الممانعة» على ما يحلو لبعضهم التسمية، وعلى هذه القاعدة يمكن أن تُبنى الخيارات المستقبلية، على المستوى الداخلي، وفي الحسابات الإقليمية والدولية، وتكون عندها الجغرافيا السياسية اللبنانية ومتفرعاتها الاستراتيجية في خدمة مشروع إقليمي - أو دولي - وجزءاً من التوازنات المستقبلية.

خصوصية لبنان عبر التاريخ لا تسمح بالتسلية السياسية في أوقات الفراغ الدولية، وعلى الدوام كان لأي اضطرابات لبنانية ارتدادات خارجية، فتستنفر القوى الدولية للحصاد في البيدر اللبناني، كما أنها قد تهرب مهرولة من أخطار أي حريق قد يشتعل في المساحة اللبنانية، لأن هذا الحريق غالباً كان مؤشراً على أُفول حقبة، وبروز حقبة جديدة في التاريخ، أو أن نتائج الصراعات في لبنان كانت مقدمة لتغييرات استراتيجية في المنطقة المحيطة، أو في العالم.

وللدلالة على مثل هذه المقاربات؛ يمكن الإشارة إلى الصراع بين المماليك والفاطميين، وبين المغول والمسلمين وبين العرب والفرس وبين الغزوات الصليبية والمسلمين وبين إمبراطويات القرن التاسع عشر وبين باشاوات مصر والعثمانيين، وصولاً إلى الصراع بين الأحلاف الدولية في أواسط القرن العشرين ومن ثمَّ صراع اليمين واليسار قبل بروز الانفلاش الإيراني على شاكلته الحالية الواسعة، وفي كل تلك الحقب كان لجبل لبنان ومحيطه دور مؤثر في تقرير محصلة الصراع.

لكن الخصوصية اللبنانية المتنوعة دينياً وسياسياً رفضت على الدوام مقاربة الاحتواء من أي جهة كانت، وقد نفذت هذه الخصوصية من شباك قوى وإمبراطوريات كبرى، لكيلا تكون في فلك أي منها، بما في ذلك في أيام تنامي النفوذ العثماني في القرن السابع عشر، حيث أسس الأمير فخر الدين المعني الإمارة اللبنانية، ووصل نفوذه إلى حدود عكا في فلسطين واللاذقية في شمال سوريا. كما قاومت الخصوصية اللبنانية مغريات اليمين واليسار على المستوى الدولي خلال 70 عاماً، ولم يتمكن من احتوائها أي من الفريقين، على الرغم من صداقة هذه الخصوصية مع الطرفين، ووجود مؤيدين لكل من هاتين العقيدتين بين القوى اللبنانية، وهذا ما حصل أيضاً إبان وجود القوات العسكرية السورية في لبنان خلال 30 عاماً، ولم تستطع هذه القوات وتدخلاتها الواسعة إلغاء هذه الخصوصية ولا احتواءها.

اليوم تتعرَّض الخصوصية اللبنانية لهجماتٍ متعددة من أطراف مختلفة. من هذه الأطراف ما يرى أن الفرصة مناسبة للانقضاض على هذه الفكرة، ومن ثم اعتبار لبنان ساقطاً سياسياً وعسكرياً ضمن دائرة نفوذ محور يمتد - برأيهم - من طهران إلى بيروت، وهناك قوى محلية لبنانية استفادت من الفترة الزمنية الماضية، وهي تجهد للإخلال بالتوازنات القائمة، على أمل أن تتهيأ الفرصة لها للانقضاض على خصومها السياسيين، ومن ثم وضع اليد على مفاصل الدولة بالكامل، بمساعدة من حلفائها المحليين والإقليميين.

الثوابت التي لم تتغير في لبنان على الرغم من محاولات الاستعمار والاستكبار والعدوان «الإسرائيلي» وغيرها! هي تمسُّك اللبنانيين بالعروبة دون غيرها، والعيش المشترك بين كافة أبنائه، والحفاظ على التوازنات القائمة.