...وماذا عن حصار المختارة؟

نجاح اجتماع "المصارحة والمصالحة" الذي انعقد في قصر بعبدا برعاية رئيس الجمهورية، ومشاركة رئيسي المجلس النيابي والحكومة، خلق جوّا من الارتياح في مختلف الأوساط اللبنانية.

ولم يتّضح بعد ما إذا كانت مبادرة الرئيس ميشال عون تقف عند حدود خفض التوتّر بين الحزب التقدّمي الاشتراكي والحزب الديمقراطي اللبناني لإعادة الحياة إلى مجلس الوزراء، أم أنها ستستكمل بإنجاز أكبر، وهو نزع فتيل الاحتقان المصطنع في الجبل منذ الانتخابات النيابية الأخيرة.

فهذا الاحتقان هو أكثر أهمّية من أي شيء آخر، لأنه يمسّ الشأن السياسي والطائفي، وبالأخصّ علاقات السلطة مع الزعامة الجنبلاطية التي توالت فصولا منذ قرنين من الزمن وكان لها أثر كبير على الحياة السياسية في الجبل وفي كل لبنان.

بعد نحو خمس سنوات تحلّ المئوية الثانية لانتصار الأمير بشير الثاني على الزعيم الأبرز والأقوى في جبل لبنان الشيخ بشير جنبلاط. فسنة 1825 حقّق الأمير الشهابي أقصى طموحاته السياسية بتوجيه ضربة حاسمة للشيخ بشير، منافسه الأساسي في الجبل، فاحتلّ المختارة ودمّر قصرها التاريخي، وتآمر مع الولاة العثمانيين لإعدام الشيخ بشير في عكّا.

لا شك بأن الأمير الشهابي نام مرتاح البال في تلك السنة لظنّه بأنه اقتلع زعامة الجبل القوية من جذورها، بحيث لا تقوم لها قائمة في ما بعد.

بعد قرنين من تلك الواقعة لا زالت الزعامة الجنبلاطية قائمة وراسخة وقوية مثلما كانت قبل أن يبدأ الأمير الشهابي حربه الشعواء عليها. ولم تفلح في العقود العشرين اللاحقة كل محاولات إضعاف أو إلغاء الزعامة الجنبلاطية وتأثيرها، سواء بالحروب أو الاغتيالات أو الانتخابات أو ضغوط السلطات والعهود أو محاولات العزل السياسي.

السبب الجوهري أن المكوّن الدرزي في جبل لبنان مستعدّ أن يذهب حتى النهاية دفاعا عن المختارة ورمزيتها، لأنها أشعرته بالحماية، كما أن دورها البارز في التحالفات والصراعات والأحداث اللبنانية والعربية تعوّض الدروز نقصهم العددي وواقعهم الأقلّوي.

توسيع نطاق مبادرة الرئيس ميشال عون ضروري وحيوي للبلاد، لأن التأزّم الذي أعقب حادثة البساتين أظهر أن كل استهداف لموقع المختارة لا ينال من نفوذها، ولكنه يلحق أفدح الأضرار بالبلاد واقتصادها المترنّح. هذا الدرس تكرّر مرارا خلال مئتي عام ولكنه هذه المرّة يأتي فيما لبنان بأشدّ الحاجة للاستقرار.

الاستقرار السياسي هو المدخل الطبيعي لأية جهود تهدف إلى منع لبنان من بلوغ الانهيار المالي والاقتصادي، الذي كثر الكلام عليه. في لبنان ليست هناك أزمة اقتصادية، بل هناك مشكلة سياسية تدفع الاقتصاد إلى المهالك، وتمنع الإصلاح، وتحول دون تنقية المالية العامّة، أمّ المشاكل بلا منازع.

الأزمة السياسية التي أعقبت حادثة البساتين الدموية جاءتنا في أسوأ وقت. فالمؤسّسات الدولية عينها على لبنان، سواءٌ لتقرير المضي في دعم الاقتصاد اللبناني، أو لتحديد درجة المخاطر المؤثّرة على الاقتصاد من خلال شركات التصنيف العالمية.

الأهمّ من تصنيف شركة ستاندرد أند بورز المنتظر هذا الشهر، أن الخطر الأكبر الراهن على الوضع المالي لا يتمثّل باحتمال انهيار سعر صرف الليرة اللبنانية بل في خروج الأموال من لبنان، الذي بلغ في النصف الأوّل من العام الجاري حدّا لا سابق له منذ ولادة الكيان اللبناني.

هذا النزيف الخطير لا يداوى إلا بالاستقرار السياسي، وبوجود سلطة موحّدة ومتّحدة ومصمّمة على الإصلاح الجدّي لإدارة البلاد ومرافقها وماليتها العامّة. فهذه الأجواء وحدها كفيلة بإقناع المودعين بأن لا خوف على ادّخاراتهم ولا داعي لتهريبها من لبنان، بل هو يقنع مستثمرين آخرين بالاستثمار في لبنان.

فيما الأجواء السياسة التوافقية هي المطلوبة، وفيما يقف لبنان على شفير الخطر الكبير، يبدو وكأن بعض القوى السياسية الرئيسية لا تعير هذه المخاطر أية أهمّية، وتعطي الأولوية لطموحاتها السياسية، وتصفية الحسابات مع بعض الأخصام، وتغيير المعادلات في السلطة إلى حدّ التفكير "الانتحاري" في تعديل اتّفاق الطائف.