مصالحة قبرشمون انتصار للبنان

انتهت الأزمة السياسية التي عصفت بلبنان منذ أكثر من شهر على أثر الحادث الأليم الذي وقع في بلدة قبرشمون الجبلية، بمناسبة زيارة رئيس التيار الوطني الحر وزير الخارجية جبران باسيل، واعتبر أهالي المنطقة حينها أن خطابه كان استفزازيا وذكر بمراحل الحرب المشؤومة، مما أدى الى الاحتجاج عليها، والاعتصام على الطريق، حيث صودف مرور موكب الوزير صالح الغريب الذي اشتبك مع المعتصمين، وسقط شابان وعدة جرحى.

أدخلت حادثة قبرشمون البلاد في أزمة سياسية حادة، هي الأقوى منذ 10 سنوات، وأدت الى تعطيل الدولة، وتوقيف جلسات مجلس الوزراء، وكادت أن تتفاقم، في وقت تعاني منه البلاد من اختناق اقتصادي ومالي مخيف، وسط تحذيرات من البنك الدولي، ومن المؤسسات المالية من نتائج وخيمة إذا لم يتم إصلاح الوضع.

المصالحة التي جرت في قصر بعبدا والتي طوت صفحة قبرشمون السوداء، حضرها الرؤساء الثلاثة ميشال عون ونبيه بري وسعد الحريري ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط والنائب طلال ارسلان. 

وقد جاءت مفاجئة، وانعكست ارتياحا عارما في البلاد، لأن مستوى التشنج كان قد وصل الى مستويات غير مقبولة، ليس بين الأطراف المعنيين في الحادث فقط، بل شمل كل القوى السياسية، حيث انتصر حزب الله للتيار الوطني الحر والحزب الديموقراطي اللبناني ومعهم فريق رئيس الجمهورية الذين طالبوا بإحالة الملف الى المجلس العدلي، بينما اعتبر فريق واسع من اللبنانيين، أن هذا المطلب يخفي نوايا مبيتة ضد رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط، ويستهدف تحجيمه في هذه اللحظة الحساسة من تاريخ المنطقة، ووقفوا الى جانبه، كما حصل جنبلاط على تأييد شعبي واسع، ومن أبرز المؤيدين لجنبلاط رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع ورئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميل، وتيار المستقبل والوزير السابق اشرف ريفي والرئيس نجيب ميقاتي، وأخذ الرئيسان سعد الحريري ونبيه بري موقف الحياد الإيجابي، مع إدراكهما أن تكبير المشكلة يستهدف بالفعل جنبلاط.

انتصر لبنان بالمصالحة التي جرت، حيث تركت القضية في عهدة القضاء من دون تدخلات سياسية، كما انفرجت الأزمة الحكومية وعاد مجلس الوزراء للاجتماع، ولوحظ تحسن فوري في قيمة السندات اللبنانية وفي المؤشرات المالية، خصوصا أن المصالحة أعقبت اجتماعا ماليا طارئا لأركان الدولة في قصر بعبدا، خصص لمواجهة التحديات المالية.

في المعالجة الحكيمة لملف قبرشمون، انتصر الرئيس نبيه بري بطبيعة الحال، لأن فكرة المصالحة جاءت منه، وهو عمل بكل جهد حتى اللحظات الأخيرة لإقناع الأطراف الآخرين بالمشاركة فيها - خصوصا النائب طلال ارسلان - وهو انتصر لأنه جنب نفسه وفريقه السياسي مخاطر التصويت في مجلس الوزراء الى جانب الإحالة الى المجلس العدلي أو ضد، وكلاهما مر بالنسبة اليه.

وانتصر الرئيس سعد الحريري لأنه استعاد حلفاءه وحصن حكومته بتوازنات جديدة صلبة، كما أرضى جمهوره الواسع الذي كان غير راض على المسار السابق.

وانتصر وليد جنبلاط لأنه لم يخضع لفلسفة الانهزام الأمني والسياسي التي طاولته، واستعاد مكانة متقدمة حظي بها على الدوام بين القوى السيادية، وحفظ تماسك جمهوره وصان المصالحة التاريخية التي جرت في المختارة عام 2001.

ورئيس الجمهورية ميشال عون الذي أبقى على مكانة الرئاسة في موقعها الجامع من خلال المصالحة في بعبدا، ربح فرصة استعادة الأمل بتحقيق إنجازات وازنة تسجل على عهده.

الأبرز في مصالحة قبرشمون، أنها استعادت شيئا من التوازن السياسي الى لبنان.