لكل هذا... الجبل أرضٌ للسلام

الأنباء |

تزامنت الذكرى الثامنة عشرة لمصالحة الجبل، في الخامس من آب، مع تصاعد حملة التهويل باستهداف فريق لآخر فيه، عبر محاولة اغتيال مزعومة تارة، وانتقاص حقوق تارة أخرى. وعادت عبارات كتهجير المسيحيين وخوفهم من النوم في الشوف تتردد في وسائل التواصل الاجتماعي بإطار تشويهي لطبيعة الجبل وأهله من دون الوقوف على رأي قسم كبير من المسيحيين الذين يعيشون فيه بطمأنينة، وينامون بسلام كل ليلة ولا يستبدلونه بمكان آخر في لبنان.

ارتأيت كتابة تجربتي الشخصية باختصار، علّني أنقل وجهة نظر هؤلاء.

إنتهت حرب الجبل المشؤومة في أوائل الثمانينيات من القرن الماضي بتهجيرنا من منزلنا في قرية مجدلونا الشوفية الوادعة بعدما دمّرتها الحرب كلياً. نزحنا جنوبا لسنوات ومن ثم الى سن الفيل في المتن الشمالي.

لم تكن سنوات التهجير أقل قساوة من الحرب. سنواتٌ من التشرد والنزوح من منزل إلى آخر ونحن نسمع الوالد يردد: سنعود يوما الى مجدلونا. كنت أهزأ بقوله وأجيبه: "مجدلونا أضحت من الماضي، والشوف ليس موطننا". 

ذات يوم خلال تسعينيات القرن الماضي، قرَّرت وزارة المهجرين المساهمة بالتعويض علينا، كما العديد من أبناء الجبل، لإعادة إعمار منزلنا. وكانت بداية العودة.

ما إن شُيّدت الغرفة الأولى من المنزل عام 2002، وقبل أن يكتمل بناؤه، حتى مكث والدي فيها رافضا مغادرة الشوف مجددا ولو في الأعياد والمناسبات. وسهر على أعمال البناء إلى أن عاد منزلا كاملا. ومذذاك، ولأنه آثر عدم تركه، أصبح بيتَ العائلة الأساسي الذي يجمعنا في نهاية كل أسبوع وفي المناسبات أيضا. ولشدة تعلقه بالقرية، شيّد شقيقي بدوره منزلا آخر لعائلته واستعاد أرضنا واستصلحها للزراعة. وفعل الكثير من الأهالي الأمر نفسه، حيث أعادوا بناء منازلهم فضلا عن كنيستين في ساحة مجدلونا.

بات الشوف وجهتنا الرئيسية متنقلين بين قريتنا في إقليم الخروب، وبين دير القمر وكفرنبرخ وبيت الدين والباروك حيث الأقارب والأصدقاء، فالشوف ليس مسقط رأسنا فقط، وإنما لشعور بأنه أرض سلام وحرية وطمأنينة وبيئة نظيفة، عكس الكثير من المدن اللبنانية الملوِّثة سمعيا وبصريا ورئويا. وفي ذلك فضلٌ أكيد لرئيس الحزب التقدمي الإشتراكي وليد جنبلاط. فإضافة الى أنه يمثل، ومنذ انتهاء الحرب، صوت الاعتدال في الجبل وضمانة المصالحة، وشريك الاستقلاليين اللبنانيين في المحطات كافة، هو نصير البيئة وصديقها، المحافظ على الإرث الثقافي والتراثي والطبيعي في قرى الجبل وبلداته في وجه لغة الحرب والتهجير والدمار والطغيان الاسمنتي البشع.

إذا، الحق يقال، عدنا منذ أكثر من عقد ونصف الى أرضنا، ولم يمنعنا أحد من العيش فيها بحرية. فضلا عن ذلك، ما قصَدَت القرية وليد جنبلاط بخدمة الا ولبّاها، وكنيستاها شاهدتان على ذلك. وما زلنا نعيش بسلام ومحبة، ولكن أيضاً بكرامة وعنفوان. لا نطلب ضمانة ولا حماية من أحد. لأننا ببساطة لا نشعر بأننا مهددون. وكل ذلك، من دون منّة من أحد. لم نطرق باب بطلٍ من الأبطال، لنعيش في الشوف بكرامة موفورة ورأس مرفوع وسلام، وكنا على يقين بأن الحرب الهمجية اجتاحت كل البيوت بلمح البصر من دون تبصّر. وينطبق ذلك على الجبل وخارجه. 

ومن هنا، الأجدى بمن لا يفوت مناسبة الا ويستحضر كابوس الحرب والتهجير، تذكر الخطوط العريضة لسينودس الأساقفة من أجل لبنان في وثيقته التاريخية بعنوان "الكنيسة المارونية والسياسة": "إنّ كنيسة لبنان جُرحَت في صميم جسدها كسائر المؤسّسات فيه. ولكنّها امتُحنت بنوع خاصّ امتحانًا ذريعًا في ضميرها. فقد شاهدت أبناءها يُقتلون ويَقتلون ويتقاتلون". 
للحرب منطقها، وللسلام منطق آخر. هذا ما فتئ يردده بكل جرأة وشجاعة بالإضافة إلى جنبلاط، رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع ورئيس حزب الوطنيين الأحرار دوري شمعون وغيرهم. وهذا ما يذكره بشجاعة أيضا نصّ الكنيسة أعلاه. وما مصالحة الجبل ومشاركة مثلث الرحمات البطريرك مار نصر الله صفير بها أيضا بكل شجاعة، ممثلا مسيحيي الجبل، الا تأكيدا على منطقي الحرب والسلم. بعد المصالحة تُوّج البطريرك الراحل زعيما للبنان، وقَبِل بمشاركته ورعايته ومباركته المصالحة، أن يأخذ بصدره ليس فقط آلام المسيحيين في الجبل بل آثامهم أيضاً، وحمل في الوقت عينه، بحكمة وشجاعة، آلام الدروز وآثامهم. لأنه يفقه جيدا منطق السلام ولأنه يهتم فعليا لشعب الجبل مسيحيين ودروزا ممن جمَعَتهم وستجمعهم ليس فقط سنوات وعقود وإنما قرون طويلة وتاريخ مشترك وعادات وتقاليد واحدة ومصالح مشتركة جمّة. 

خارج هذا المنطق لا أفهم الإصرار على نبش الماضي بخفة، والضخ المتواصل لمنطق الكراهية، والتوظيف الأرعن لفكرة الخوف من دروز الجبل ومن آل جنبلاط؟ مرّة المسيحي لا ينام في الجبل، ومرة لن يمنعنا أحد من الدخول الى قرانا، ومرة لا هيمنة على قرارنا بعد اليوم، ومن يسمع قوافل الأبطال تمرّ في قرانا اليوم بهذا الخطاب يعتقد لوهلة أن جيشاً جرارا سيطلّ علينا بعد قليل. والطريف أن بعض من يهوّل، ينام هانئا في الباروك والشوف والبعض الآخر لا نسَب له فيه ولا حسَب.

صحيحٌ أن أحدا لن يمنعنا من الدخول الى قرانا، لأنه ببساطة لا يمنعنا أحد من فعل ذلك! وصحيح أن لا هيمنة على قرارنا بعد اليوم لأنه ببساطة لا أحد يفعل ذلك. ولكنها البروباغندا بكامل عدّتها الركيكة والمبتذلة.

الجبل بخير لمن يريده كذلك، ومصالحة الجبل بألف خير بفضل حرص أبنائه عليها، وعلى رأسهم وليد جنبلاط الذي لم يألُ جهدا لتكريس المصالحة قولا وفعلا من دون منة ولا شهادة من أحد.
غدا سيزول غبار مصارعي طواحين الهواء، وسيبقى الشوف ومعه الجبل منطقة نموذجية من الأكثر أمانا وطمأنينة، التي تنطبق عليها دائما مقولة "نيال مين إلو مرقد عنزة بجبل لبنان".

(*) فكتوريا موسى- مجدلونا الشوف