وليد جنبلاط في بلاد ليليبوت

رشيد حسن |

في النظر إلى محاولات تحالف هجين من ساسة الفساد والحقد الغبي "تحجيم" أو -حسب أحلام كبيرهم-  "كسر" وليد جنبلاط جاء على خاطري تلك الصورة الشهيرة التي يذكرها الكثيرون من أيام الدراسة للرحالة جليفر بطل رواية جوناثان سويفت، الذي تناولت قصته في ما تناولت وصول جليفر، بعد تكسر سفينته، إلى بلد عجيب يدعي "ليليبوت" ويسكنه أقزام لا يزيد طول الواحد منهم عن 15 سنتمترا، وقد أصيب أقزام ذلك البلد بالرعب لمنظر جوليفر الذي رغم كونه إنسانا طبيعيا بمقاييس البشر إلا أنه بدا لهم عملاقاً مخيفاً بالنظر لصغر قامتهم،  وتروي قصة سويفت كيف عمد أقزام الجزيرة أولا إلى أسر جليفر بأن تألب المئات منهم لتقييده بأنواع الحبال بينما كان مستغرقا في النوم في الطبيعة وكيف أخذوه إلى مدينتهم ثم سمحوا له بالتجول في أنحائها شرط أن لا يؤذي أيا من أقزامها الصغار.  

لكن في وقت لاحق يحاول ملك ليليبوت استغلال الهامة الكبيرة لجليفر لأهدافه فيطلب منه مساعدته في الحرب التي كان يخوضها مع إمارة مجاورة، وقد انفجرت الحرب بين الجارين حسبما روى سويفت بسبب نزاع حول طريقة كسر البيضة المسلوقة وهل يجب أن تكسر بدءا برأسها المدبب أم بأسفلها المسطح، وقرر جليفر مسايرة ملك بلاد الأقزام ضمن حدود بأن استولى على أسطول الإمارة المخاصمة وكان مؤلفا من زوارق كانت بالنسبة له صغيرة الحجم كالتي يلعب بها الأطفال، لكن جليفر رفض في الوقت نفسه مساعدة ملك الأقزام في مسعاه لقهر الإمارة المجاورة بصورة تامّة وتحويلها إلى مقاطعة تابعة لملكه،  وهو ما أغضب الملك الذي اتهم جليفر بـ "الخيانة العظمى" وحكم عليه بسمل عينيه وحرمانه من بصره، لكن جليفر تمكن بمساعدة صديق مخلص له من أن يهرب من جزيرة الأقزام وكابوسها وأن يعود إلى موطنه الذي انطلق منه في رحلاته العجيبة.

قصة رحلات جليفر كتبها سويفت أصلا للسخرية من أهل زمانه ونزاعاتهم العقيمة ومن أهل السياسة آنذاك الذين اعتبرهم عموما منكبين على خدمة مصالحهم، ووصف الكاتب أهل تلك الإمارة الخيالية التي يسكنها أقزام بأنهم "أناس على قدر كبير من الضحالة، ينفقون كل وقتهم في الأمور التافهة (مثل الخلاف حول أسلوب كسر البيضة) فيما يستمتع كبراؤهم باستعراض قوتهم والهيبة الزائفة التي يستمدونها من الحكم الاستبدادي الذي يمارسونه على رعاياهم". 

توسعت في سرد القصة الكلاسيكية معتبرا أنها تقدم الكثير من أوجه الشبه مع ما يجري اليوم في لبنان، ولا شك أن كل حصيف مطلع سيلمح أوجه المقارنة وكثيرا منا سيتبسم ساخرا لدقة المقابلة والتشابه الكبير بين شخصية جليفر وبين شخصية وليد جنبلاط كذلك بين الأطباع السيئة والعقد المستحكمة والمساعي الغبية لأقزام جزيرة ليليبوت تطويع جليفر وهامته الكبيرة وتسخيرها لغاياتهم وبين محاولة ساسة الحقد الغبي إدخال وليد جنبلاط بالقوة في حروب عقيمة وخلافات بدائية لا تختلف عن خلاف "طريقة كسر البيضة" في نظر أي عقلاني يمتلك بعض الأفق والاطلاع على عالم اليوم.

حكام دولة ليليبوت المعاصرة يوجهون اليوم تهمة "الخيانة العظمى" لوليد جنبلاط بسبب رفضه تسخير هامته الكبيرة في العمل على تتبيع هذا البلد وشعبه الطيب لإمارة ليليبوت وتحويل اللبنانيين الذين عاشوا حياة الحرية والعنفوان على مدى العصور إلى أقزام مناسبين في قامتهم وفي طواعيتهم لساسة من طراز "ميني" لكنهم قادرون مع ذلك على التألب واستعمال حبالهم وسلاسلهم الكثيرة لمحاولة أسر البلد والفوز خصوصا بجليفر الذي لا زلت شخصيته تحيرهم وهامته الفارعة ترعبهم وتتحدى عقد الدونية والعجز التي تهيمن على كيانهم وتحكم كل مظاهر سلوكهم. 

وليد جنبلاط اليوم هو جليفر بلاد حولها مغفلون صغار إلى بلاد ليليبوت، وهؤلاء المغفلون بمتوسط طول 15 سنتم للواحد يجرجرون الآن حبالهم وسلاسلهم ويرسمون الخطط ويتباحثون بمكر وحماس حول الطريقة التي تمكنهم من أسر هذا المارد المخيف والتمتع بعد ذلك بجمهورية السخف والأحقاد البدائية وأحلام العظمة والثأر التي تسكن صدورهم الضيقة.

"إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوّان كفور" (سورة الحج:28).