قصة قانون استبدال بعض العقوبات بعقوبة العمل الإجتماعي.. ما علاقة مايا وريما؟

مبدأ العقوبة البديلة لم يكن موجودًا في قانون العقوبات اللبناني قبل تاريخ 26-6-2019، حين أقرّ مجلس النواب قانون استبدال بعض العقوبات بعقوبة العمل الإجتماعي، لمن لديه جنحة غير شائنة، عقوبتها سنة وما دون، بثماني ساعات من العمل الاجتماعي عن كلّ يوم سجن. وبصرف النظر عن المسار الطويل الذي سلكه القانون في أدراج اللجان على مدى ثماني سنوات قبل أن يبصر النور التشريعي، وبعض الثغرات التي تعتريه، مما لا شكّ فيه أنّ إقرار هذا القانون يعتبر خطوة أولى في تغيير الذهنية التشريعية حيال العقوبة.

مصطلح العقوبة البديلة يعني استبدال العقوبة الأصلية بعقوبة أخرى غير سالبة للحرية ضد المحكوم عليه، كاستبدال عقوبة السجن بخدمة يؤديها السجين لفئة من فئات المجتمع، أو لموقع خيري أو الإلتحاق بمرفق تعليمي. والغاية من العقوبة البديلة تجاوز مفهوم العقاب إلى العمل الإصلاحي الذي يفيد المحكوم والمجتمع على حدّ سواء. 
قصّة هذا القانون بدأت بدراسة جامعية تطوّرت إلى إقتراح قانون متكامل. وفي التفاصيل أنّ مايا يموت التي أنهت دراسة جامعية عن وضع السجون عام 2011، حملت دراستها إلى المجلس النيابي التي تتضمن فكرة العقوبة البديلة. وهناك إلتقت أمين سر لجنة الإدارة والعدل فريد محمود، وبالفعل تقول مايا لـ " لبنان 24" " استقبلني وساعدني على تحويل فكرتي إلى اقتراح قانون يتضمن أسبابًا موجبة وعددا من المواد، وبعدها عرضناه على عدد من النواب من كتل نيابية مختلفة، تبنّوه وقدموه بدورهم إلى المجلس النيابي في الثالث من شهر أيار عام 2011".

فكرة يموت لم تأت من فراغ، لا سيّما وأنّها حملت باكرّا قضية السجون من خلال عملها في جمعيتها Rescue me crime prevention ، بحيث عاينت أوضاع السجناء وظروفهم الصعبة، ولاحظت كيف أنّ السجناء يقبعون في زنزانة واحدة، كأن يُسجن من يصدم بسيارته مواطنًا عن طريق الخطأ، في زنزانة واحدة مع مجرمين مدانين بجرائم القتل والإرهاب ، وهو خلط غير مبرر يُعتمد في سجون لبنان، الأمر الذي يساهم إلى حدّ بعيد بتحويل السجين المحكوم بجنحة إلى مجرم حقيقي.

أول نائب وقّع على الإقتراح المذكور هو النائب السابق علاء الدين ترو، ثمّ النواب انطوان سعد، زياد القادري، علي خريس، علي بزي،  أمين وهبي، سامي الجميل وغسان مخيبر. لكنّ الإقتراح مكث في اللجان ثماني سنوات قبل أن يصل إلى الهيئة العامة ويُقر بصيغته النهائية. في الآونة الأخيرة تبنّته جمعية " نضال لأجل الإنسان" كونها تتابع ملف السجون، وراحت تدفع باتجاه إقراره، فتابعت مساره مع عدد من المعنيين، لا سيّما مع رئيس لجنة الإدارة والعدل النائب جورج عدوان، الذي تحّمس للإقتراح معتبرًا أنّه يحمل بُعدًا إصلاحيًا، وعكف على مناقشته على طاولة لجنة الإدارة والعدل، وخلال فترة وجيزة لم تتجاوز ثلاثة أسابيع أنجزت لجنة الإدارة والعدل دراسته وأدخلت عليه بعض التعديلات وحوّلته إلى الهيئة العامة. وبدوره وضعه الرئيس نبيه بري على جدول أعمال أول جلسة تشريعية بحيث أٌقر وتمّ تعديل بعض مواده، كأنّ رُفعت ساعات الخدمة الإجتماعية من ساعة ونصف إلى ثماني ساعات عن كل يوم سجن.

خطوة مهمة
رئيسة جمعية " نضال لأجل الإنسان" ريما صليبا اعتبرت عبر " لبنان 24" أنّ إقرار القانون المذكور خطوة مهمة على طريق الأف ميل في موضوع السجون، كونه ملفًّا متشعّبًا وشائكًا، ويحتاج إلى معالجات عديدة تبدأ بالفصل بين السجناء المحكومين والموقوفين منهم ، منعًا لتفشّي العدوى الجرمية بينهم، وصولًا إلى تسريع المحاكمات واحترام حقوق السجين وإصلاح السجون. وأضافت صليبا أنّ أهمية القانون على رغم بعض الثغرات، تكمن بأنّه أدخل وللمرة الأولى في لبنان ثقافة إصلاح السجين بدل معاقبته بسلب حريته، "ومن شأن استبدال عقوبة السجن بالعمل الإجتماعي إتاحة الفرصة أمام السجين للتعرف على عدد من القضايا الإنسانية في مجتمعه والمساهمة في خدمة هذه الفئات، وفي الوقت نفسه تأهيل السجين تمهيداً لإعادة دمجه في المجتمع".

أبرز الثغرات التي اعترت القانون أنّه لن يُطبّق على السجناء الذين أُدينوا قبل صدوره بغياب المفعول الرجعي، الأمر الذي يخلق نوعًا من التمييز بين السجناء المحكومين الذين ينطبق هذا القانون على حالاتهم. كما أنّه لن يشمل سوى مئات السجناء من أصل تسعة الآف سجين، (وهم السجناء الذين صدرت بحقّهم أحكامًا بعقوبة تقلّ عن عام وبملفٍ قضائي واحد).

ثغرة أخرى تتعلق بعدد ساعات الخدمة التي فرضها القانون من خلال استبدال كل يوم حبس بـ"ثماني ساعات عمل" لدى جمعية. وهو عدد الساعات التي يفترض بالموظف التقيّد بها بحسب قانون العمل، ولكن هنا بلا مقابل مادي، والدوام الطويل هذا يحرم المحكوم من إمكانية العمل، ما يطرح علامات استفهام حول قدرة المحكوم على تأمين معيشته بلا راتب. كما أنّ القانون لم يلحظ موافقة السجين بل تُرك الأمر للقاضي بصرف النظر عن رأي السجين.

ثغرة أخرى تتمثل في المادة الخامسة التي تتحدث عن تقارير دورية تقدّمها الجمعية التي يتمّ التنفيذ لديها عن مدى التزام السجين بالعمل، من ناحية الدوام والأداء، من دون أن يتم تحديد الجهة التي يفترض أن تراقب عمل الجمعية للتأكد من مصداقية التقارير.

ورغم الثغرات تبقى العبرة بتنفيذ القانون خصوصًا أنّه لحظ استصدار لائحة بالمؤسسات أو الجمعيات التي لا تتوخى الربح من قبل وزارتي العدل والشؤون الإجتماعية. صحيح أنّ اللائحة لم تصدر بعد ولكن عددًا من الجمعيات بدأت بتقديم طلبات لإستقبال سجناء شملهم القانون، بحسب ما علم " لبنان 24" من مصادر في لجنة الإدارة والعدل، والأولوية لمصلحة الليطاني لتكون من أولى المصالح التي ستطبّق العقوبة البديلة.