لأن السكوت لم يعد مجدياً... كانت هذه الرسالة الاشتراكية

ربيع سرجون |

هناك من لا يتعلم من تجارب التاريخ. لم يقرأ عبرة ولا يأخذ فكرة. ما يريده فقط هو تعزيز منطق الابتزاز في سبيل الكسب. وغالباً ما يرتكز هذا الطرف على لعبة واحدة وحيدة. هي لعبة الصورة أو السبق الإعلاني، بغية تعزيز موقعه ودوره وتقديم نفسه على أنه حامي الحمى. تلك هي معزوفة استعادة الحقوق التي لا يكف عن عزفها على نشاز الانقسام الطائفي والمذهبي وشد العصب وإعادة إحياء التوتر بين مختلف المناطق اللبنانية.

ولذلك لم يعد السكوت مجدياً، ولا حتّى الترفع، لأن ترك الساحة لمثل هذه النماذج، تجعلهم يستشيطون أكثر، ويكثرون الإدعاء، على قاعدة إكذب، إكذب حتى يصدقك الناس، تلك هي قاعدتهم التي تدفعهم إلى التدخل في تحوير التحقيقات ومجرياتها ووقائعها والضغط على القضاة، على أن يخرجوا فيما بعد لينفوا ذلك. لذلك وضع المؤتمر الصحافي للحزب التقدمي الإشتراكي النقاط فوق الحروف، بغية رسم مسار جديد لوضع حدّ لمثل هذه الإستباحة.

في الخلاصة، الرسالة الاشتراكية الموجهة إلى رئيس الجمهورية واضحة، وهي تناشده التدخل لإنقاذ عهده إذا ما كان حريصاً عليه خوفاً من أن يصاب بالشلل، وكي لا يوسم للتاريخ، بأنه عهد جرت فيه استعادة مشهديات زمن الوصاية من قبيل التدخل بالقضاء والمحاكم لتركيب الملفات وفبركة القضايا وتحوير المحاكم وإنزال الأحكام العرفية. وهذه معروفٌ تاريخياً أنها لا تنجح في لبنان وارتداداتها تكون سلبية وخطيرة.

لم يعد الحزب التقدمي الإشتراكي وحده. المسار آخذٌ بالتوسع. ثمة ما يشبه حقبة العام 2004، والتحركات الاحتجاجية التي بدأت بالبروز اعتراضاً على عهد إميل لحود ومن خلفه الوصاية السورية. اليوم يتوسع الحراك ضد منطق الطائفية والعائلية والمذهبية التي تريد استباحة كل شيء باسم استعادة الحقوق، بينما مشكلتهم الأساسية تبقى مع أصحاب الحقوق الأساسيين، وهم قوى سياسية مسيحية متعددة حزبية ومستقلة لها وجودها وحيثياتها، ولم تلق من التيار الوطني الحرّ سوى حروب الإلغاء المستمرة.

إلى جانب القوى المسيحية التي تسجّل اعتراضاتها على مسار العهد، فإن الحراك يتوسع أيضاً ليشمل الطائفة السنيّة بكليتها وجزءٌ واسع من الطائفة الشيعية التي عبّر أبناؤها عن ضيق ذرعهم خلال زيارة باسيل إلى بعلبك بسبب تعطيله لنتائج مباريات مجلس الخدمة المدنية، ولم تنتهِ
 بالحنق الذي أصابهم بسبب المادة 80 في الموازنة والرسالة التي وجهها رئيس الجمهورية إلى مجلس النواب وما هو مقصود في خلفية إرسالها.

الحراك الذي أطلقه الإشتراكي يتوسع، والعهد لا يساعد حتى حليفه الأساسي في التسوية الرئيس سعد الحريري للبحث عن مخرج أو حلّ، بل يمعن في تصويب الإتهامات على القريبين منه لا سيما شعبة المعلومات، وعلى وقع هذا الإحتقان السياسي، سيشهد لبنان في الأيام القليلة المقبلة، ولادة "تجمع سياسي جديد" يطلق عليه إسم تجمّع الحكماء المكوّن من رؤساء ورؤساء حكومات سابقين ووزراء ونواب، يهدفون إلى إعادة تصويب البوصلة السياسية في البلاد، في مواجهة حملات تخريب العقول الحاصلة، والتي أصبحت تنذر بخطر محدق. فهل من يتبصّر؟