رسائل عون وإعادة خلط التعددية اللبنانية

منذ أتت التسوية التي جرت بين رئيس الحكومة اللبنانية سعد الحريري والعماد ميشال عون بالأخير إلى رئاسة الجمهورية، ولبنان يفتح كل ملفاته القديمة والمتراكمة، ليعيد تيار رئيس الجمهورية ترتيبها وفقاً لتطلعاته وللتوازنات التي نجح في فرضها. وتسير هذه الأمور بوتيرة متسارعة، يبدو معها أن الفرصة المتاحة أمام ذلك ترتبط بعمر العهد الذي أطلقوا عليه صفة "العهد القوي".

وإذ لم يبقَ ملف ميثاقي أو إجرائي إلا وتم إعادة نبشه، بهدف إعادة تشكيل السلطة والتوازنات التي لم يُخفِ وزير الخارجية جبران باسيل سعيه إلى تغييرها، فإن لبنان في عهد ميشال عون لا يكاد يخرج من أزمة حتى يدخل أخرى، وكأن نَهَم السلطة يستشري إلى حد تقويض النظام وتعكير العلاقات الداخلية بين الطوائف والفئات.

آخر الأمور، كان توجيه رئيس الجمهورية رسالة إلى المجلس النيابي يطالبه فيها بتفسير المادة 95 من الدستور التي تحصر التوزيع الطائفي لوظائف الفئة الأولى. وأتى مُبرِّر هذه الرسالة بهدف تعميم المناصفة في الوظائف على الفئات كافة، إلا أن هذه المادة بالذات، هي الأساس في تحديد شكل النظام السياسي اللبناني، وتأتي في الدستور تحت باب "الأحكام النهائية المؤقتة"، وقد يُفضي أي تفسير ملتوي لها إلى تحويل مسار النظام السياسي برمته.

جاء نص المادة 95 في الدستور اللبناني (العام 1926) على الشكل التالي: "بصورة موقتة، وعملاً بالمادة الأولى من صك الانتداب، والتماساً للعدل والوفاق، تمثل الطوائف بصورة عادلة في الوظائف العامة وبتشكيل الوزارة من دون أن يؤول ذلك الى الإضرار بمصلحة الدولة". وعندما جرى تعديلها بعد الاستقلال في عام 1943، تم شطب ذكر "صك الانتداب" منها من دون إحداث أي تعديل آخر، وأبقيت في صيغة الموقت، وصولاً إلى "اتفاق الطائف" الذي أدخل آلية إلغاء الطائفية إلى متن النص، وتحدث عن خطة مرحلية تبدأ بتشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية. على أن تعتمد المناصفة خلال المرحلة الانتقالية على مستوى الفئة الأولى والكفاءة على باقي المستويات.

يريد فريق الرئيس أن يُفسّر المرحلة الانتقالية على أنها الخطة المرحلية التي تبدأ بعد تشكيل الهيئة، فيما النص يُميّز بينهما، والأخطر أنه يريد إلغاء الصفة الموقتة عن مسألة الطائفية في النظام، بما ينسف جوهر "اتفاق الطائف" من أساسه. طبعاً هذا الابتعاد عن صفة الموقت كان وراء تمرير القانون الانتخابي الأخير في المجلس النيابي والذي فعلياً عمّق الفرز الطائفي والمذهبي في المجتمع بعكس الوجهة التي قال بها "الطائف".

استدعت رسالة الرئيس عون الكثير من الردود منها إحصائية أجراها "مركز الدولية للمعلومات" خلصت الى تحديد نسبة المسيحيين في لبنان في عام 2018 بـ 30 في المئة والمسلمين ب 70 في المئة.

ينفخ رئيس الجمهورية بشكل مستمر في الملف الديمغرافي ولا يوفّر فرصة لتعديل الوقائع إلا ويستغلها بدءاً من تكريس وزارة الخارجية عملها لإعادة تجنيس المغتربين، مروراً بسياسة التخويف والتمييز وتعميق الفوارق بين الطوائف، وصولاً إلى الحملات المُنظّمة لتهجير اللاجئين وترحيل النازحين. وكل هذا المسلك يُفضي إلى الاستنتاج بأن فريق ميشال عون غير مُقتنع بكفاية النص الدستوري وبمجمل التعهدات والالتزامات والأعراف، لردم الهوة بين الواقع الحقيقي للديموغرافيا وبين الحضور السياسي والحضاري للمسيحيين في لبنان، وتقوم البدائل عنده على تخويفهم والاستنجاد بالأحلاف المشرقية للأقليات. علماً أن وجهتَيْ التناقض بين النمو الديمغرافي الطبيعي للمسلمين الذي يتم إخماده بقرار سياسي من جهة، وبين السياق الذي يعتمده الرئيس عون ويؤدي إلى تكريس التمييز في وظائف ما دون الفئة الأولى من جهة ثانية، إنما تخلق اختناقاً على المستوى الاجتماعي، وتُفاقم الاحتقان حين تُعمِّق مستويات التمييز نفسها التي قادت سابقاً إلى انفجار الحرب الأهلية في عام 1975. والحقيقة أن ثمة فئات واسعة من الشباب اللبناني وقوّة العمل ممنوعة من دخول الوظائف العامة، على رغم ستيفائها لكل الشروط وذلك بسبب التمييز الطائفي، وهذا نوع من أنواع التهميش الذي يُراكم ضغوطاً حتى على حلفاء عون.

إن إدارة هذا التناقض في بلد تعددي مثل لبنان، مسؤولية وطنية أقر بها المسلمون قبل المسيحيين، وهذا هو روح الميثاق أساساً، والذي استتبع بسلسلة إقرارات من القادة اللبنانيين. من هنا، فإن الدخول في تفسيرات "الطائف"، من زاوية تكريس الطائفية تبعاً للمصلحة الضيقة التي يراها العهد، يتناقض مع كل السياق الذي أقر به القادة المسلمون لطمأنة المسيحيين.

"أوقفنا العد"، عبارة قالها الرئيس الشهيد رفيق الحريري تكريساً لدور مسيحي يتجاوز كل الاعتبارات الديموغرافية. ومن جهته قدم رئيس المجلس النيابي نبيه بري، تفسيراً لعبارة "مجلس نواب وطني لاطائفي" الواردة في المادة 22 من الدستور ولعبارة "قانون انتخاب خارج القيد الطائفي" الواردة في المادة 24 منه، بأنهما تعنيان بالنسبة إليه مناصفة بين المسيحيين والمسلمين بهدف طمأنة الجميع، متجاوزاً التعريف البديهي بأن تعبير "خارج القيد الطائفي" إنما يعني أن لا مكان فيه لمناصفة وطائفية أو مذهبية، بل يفوز بالمنصب النيابي مَن يربح من المرشحين. حتى الدروز الذين تصدروا المطالبة بالعلمانية أيام الزعيم الراحل كمال جنبلاط، حافظوا على إبقاء مسألة إلغاء الطائفية تحت سقف التوافق وخارج منطق التحدي والغلبة أو الإلحاح على تطبيق مندرجات "الطائف" لهذه الناحية.

ولكل هذا، تتغلب الروح الميثاقية على النص وليس العكس. لذلك لا طائل من استثارة العصبيات وشن الحملات بهدف تفريغ "الطائف" من مضمونه، فالتوازن الإيجابي بين النص الدستوري والأعراف لإدارة التعددية في لبنان مسألة انطلقت قبل الاستقلال مع فكرة أن الطائفية، التي كان لا بد منها آنياً، تتناقض مع أفكار التمدّن والتقدّم والحضارة التي ادّعاها لبنان وبرّر، على أساسها، مُطالبته بالاستقلال. ولذلك، أحيلت آفة الطائفية والمطالبة بها إلى الانتداب حين تم ربطها نصاً بـ "صك الانتداب". وحينها تم التفاهم على جملة من الأعراف واللياقات تكون مُكمّلة للنصوص الدستورية. ومن ضمن ذلك أن توكل الرئاسة للمسيحيين من خارج النص.

وفكرة الإدخال الناعم للأعراف في النص أو تكريس تفسيرات مُحدَّدة، تأتي في سياق الرغبة التي يبديها فريق رئيس الجمهورية بالإنقلاب على المسار العام منذ الاستقلال حتى يومنا هذا، وفيها نوع من المغامرة بمرتكزات النظام التعددي، وتوجّه مُعاكس للإطار الميثاقي الذي يشكل ضمانة لكل الطوائف، عدا أنه تعبير عن خلل فادح في فهم مصلحة المسيحيين!