كي لا نخسر ما تبقّى من جمهوريتنا

صالح حديفة |

خرج رئيس جمهورية البلاد ليقول إنه "ليس شيخ عشيرة". والسؤال أليس هو من دعا وطلب من وليد جنبلاط منذ ما بعد الانتخابات النيابية القبول بمصالحة على الطريقة العشائرية مع طلال أرسلان، واستمر في ذلك حتى حادثة البساتين وكانت كل طروحاته تتضمن مثل هذه الصلحة وفي بعبدا وتحت رعايته؟

ثم خرج فخامته ليقول إنه لا يقبل بتعطيل مجلس الوزراء. والسؤال أليس هو من عطّل تشكيل مجلس الوزراء مرات ومرات في السابق، وفريقه وتياره عطّلا مجلس الوزراء بعد حادثة البساتين برفضهم انعقاد المجلس إلا بشرط إحالة القضية للمجلس العدلي؟ 

فخامته يقول إنه الحريص على الدستور، لكن أليس هو من طرح -وأيضًا عبر وسيط - أن تعقد الحكومة جلسةً بغياب وزيرين، ليكرّس بذلك بدعة دستورية؟

ثم يتحدث "بيّ الكل" عن الطائف، لكن السؤال له عمّا فعله للحفاظ على التوازنات الوطنية والشراكة الفعلية التي نصّ عليها الطائف؟ وهل بممارساته وفريقه الوزاري حمى توزيع الصلاحيات الدستورية وفق الطائف؟

ثم يتحدث فخامة الرئيس عن القضاء والقضاة النزيهين والمحكمة العسكرية، فهل قصد بذلك أن كل قاضٍ يطلب إليه وزير البلاط استلام ملف هو القاضي النزيه دون غيره؟ وهل الثقة بالقضاء تكون بإصدار الحكم مسبقاً والقول إن ما حصل في البساتين هو "كمين لجبران"؟ 

لقد فهمنا الآن لماذا أصرّ طلال أرسلان على الإحالة للمجلس العدلي. مسكين النائب أرسلان، فهو كان يعتقد أن طلبه إنما لحفظ ماء وجهه ووجه وزيره الغريب فخرج ليقول إن ما حصل كان "كميناً مدبّراً" استهدف وزيره، لكن صاحب الفخامة بإعلانه أن المستهدف كان جبران وضع أرسلان في موقفٍ لا يُحسَد عليه، إذ تبيّن أنه لم يكن إلا صدى لطلب فخامته لا لِما كان يصدح به من مطالب عن "الكرامة ودماء الشهداء".

بانت حقائق كثيرة. وظهرت تفاصيل مريرة عمّا آلت إليه أوضاع البلد والدستور والطائف والقضاء. 

وصحيحٌ يا فخامة الرئيس أن مبادئ الجمهورية العادلة ودستورها وقوانينها هي سدرة المنتهى، لكن في قيم وعادات وتقاليد العشائر ما هو أفضل بكثير مما آلت إليه الأمور في عهدك. ويبدو أن القادم أعظم.

لكننا فخامتك سنأخذ كلامك المُعلَن على معانيه الظاهرة، كي لا نخسر ما تبقّى من جمهوريتنا دون أن نكسب السمات الحسنى للعشيرة، فنقول: 

لا للمسّ بالطائف وبما أرساه من توزيع الصلاحيات وبما منحه لموقع رئاسة الحكومة ولمجلس الوزراء مجتمعاً. 

لا للتعرّض للميثاق الوطني بما يعنيه من شراكة ورفض الإلغاء والاستفراد والاستئثار والاستعلاء.

لا للمسّ بالقضاء واستباق تحقيقاته وتسريبها وتأويلها والتهويل على القضاة.

لا لتعطيل مجلس الوزراء ولا للإملاءات عليه.

لا لعقد رايات الصلح الزائفة. وستبقى المصالحة الوطنية التاريخية في الجبل سدًا منيعاً بوجه العابثين محليين كانوا أم إقليميين.

والأيام تنطق بما هو آت.