سؤال برسم الجميع

عبير شرّوف |

سؤال ٌ يطرح نفسه بين التّساؤلات الكثيرة المطروحة والأجوبة المنتظرة كلّ يوم عبر نشرات الأخبار ومناشير الصّحف ساعةً بساعة. نحن اللبنايين، ماذا نجني إذا حافظنا على أفضل العلاقات المتنوّعة مع البحر والجوّ وسوريا وغيرها من إيران إلى الخليج إلى دُول الغرب واقْتتلنا داخليّاً؟؟! ماذا نجني إذا اتّقينا شرّ إسرائيل وأطلقنا العنان لأشرار أنفسنا؟ ماذا نجني إذا نَجَونا من سيف داعش ومن ثمّ سلّطناه على أعناق بعضنا البعض؟
 إلى جانب موضة اللحى والشّوارب الطّويلة والعضلات المفتولة عند الشّباب في هاتين السّنتين موضةٌ أخرى ألا وهي حمل السّلاح. وإذا كان الشّعر الكثيف في وجه الرّجل مخيفاً بعض الشّيء ويذكّرنا ولَو مجرّد تذكير بعصور ما قبل الثّورة الصّناعيّة، فإن الرّشاشات والمسدّسات مرعبةً إلى درجة أنّها لا يجدر بها التّذكير فقط لأنّها ليست معروضة في إحدى المتاحف ، بل إنّها لا تصدأ من كثرة الاستعمال في كلّ مناسبة، فتعيدنا فعليّاً ومباشرةً إلى عام 1975. كلُّ فريقٍ من اللّبنانيّين أضحى مدجّجاً بالسّلاح في بيته، في سيّارته، على خصره، بأيدي مرافقيه السّكرانين أكثر من السّكرانين فعليّاً. ترى البعض كأنّهم في حرب استنزاف أو "القتل عالهويّة" عبر الحواجز. لا تنتهي القصّة بالاستعراض، بل ما أسهل الضّغط على الزّناد وكأنّنا في رحلة صيد في غابة وحوش! يُطلق الرّصاص عشوائيّاً وعلناً في الهواء أو على الهدف وفق ما تتطلّب الفريسة. رجعنا إلى لغة المعابر والمناطق والعشائر والكمائن والنّوايا المُبيّتة والأحقاد والضغائن وغيرها الكثير، ناهيك عن معزوفة الطّوائف الطّائفة على بعضها البعض، فمنها ما هي متحالفة مع أخرى، ضدّ أخرى إلى ما هنالك من توصيفات واتّفاقيّات متناقضة. 

كنّا قد بدأنا ننسى هذا الضّجيج الرّجعيّ البغيض خصوصاً بعد الطّائف ومن ثمّ الأفول السّوريّ، وأيضاً بعد المصالحات من جميع الجهات. كنّا قد بدأنا ننعم بقسط من الأمن والاستقرار الدّاخلي بعد الانسحاب الاسرائيلي عام 2000، وانكفائه ولو أنّه دمّر الحجر والبشر معاً عام 2006، وبعد أن أكّد حزب الله أن سلاحه ليس موجّهاً إلى الدّاخل بالرّغم من الخرق الذي مارسه في أيّار 2007. كنّا نتمنّى أن تستتبّ الأمور على النّحو السّلميّ وترتكز المنافسات على أساس العمل في خدمة الشّعب، ومَن يبذل من الخير أكثر، يجنيه أصواتاً في الانتخابات أكثر. ولكنّ تمنيّاتنا لم تبلغ مبتغاها وحساب الحقل لم ينطبق على حساب البيدر.  ويا للعجب يتضامن اللّبنانيّون كلّ مرّة يتعرّضون فيها لاعتداء خارجيّ سواءً من إسرائيل أو داعش أو أي منظّمة إرهابيّة، وربّما الأعداء كلّهم لديهم رابط مشترك يجمعهم كلّهم، وإن اختلفت أسماؤهم وألوانهم فهم يشتركون في اللّعبة الواحدة والمتشعّبة وكلّ عدوّ له حاشيته وجنوده وأسلحته المتحرّكة ويأتمرون بأمره. لكنّ المفارقة أن اللّبنانيّين المتّحدين في وجه التّهديد الخارجيّ وبعد التّخلّص من الأخطار المحيطة بهم من الخارج، سرعان ما يبدؤون التّهديد والوعيد بين بعضهم البعض داخليّاً، فينزعون أيّ معنىً للنّصر أو الاستقلال. فبعد التّعاون والاتّحاد أخوة وأبناء وطنٍ واحد في خطّة الدّفاع والذّود عنه، وتطبيق معادلة جيش شعب مقاومة، وإن قسراً، سرعان ما نصبح جيوشاً فقط، غرباء، شُرس، وكلّ فريق يريد محو الآخر عن بكرة أبيه. وهذا ما يؤكّد أن كل الاتّحادات والتّحالفات التي جرت هشّة وموسميّة وألّا أحد يعترف بالآخر ولا بحدود وطنه الطّبيعيّة بل كلٌّ لديه حدود طبيعيّة وفكريّة أوسع بكثير من فكرة الوطن لبنان الذي رسمته فرنسا لنا ومن قبلها تركيّا التي كان لبنان فيها ولايةً مُنِحت بعض عائلاته ألقاباً ما زالت فاعلة حتى اليوم وتعيش بعض هذه العائلات بأمجاد تلك الألقاب.
 نحن اللّبنانيّون ليس من صالحنا بالطّبع أن تبتلعنا إسرائيل أو أن تقضمنا داعش وكلّ مرّة ننجو من شرّيهما بفعل سلاح حزب الله الذي وإن لديه مشروعه المًبَيّت أيضاً ولكن هو حامي الدّار والحدود، ووحده الجيش اللّبناني لا يستطيع ردع داعش الذي يهجم كالجراد، يأكل الأخضر واليابس. كما لا يستطيع ردع إسرائيل التي تطلّ برأسها المشذّب بين الحين والآخر. سمعنا بالأمس كلاماً من أحد الزّعماء المسيحيّين يقول أن الجيش اللّبنانيّ لديه عتاد وقوّة تفوق قوّة المقاومة خمس مرّات. لا أدري مدى دقّة هذا الكلام أو مدى معناه ومناسبته ولكن حتى الأمس القريب تعاون الجيش اللّبنانيّ مع المقاومة لطرد داعش من لبنان. إذاً حتى لو تملّك الجيش القوّة فإنّه ليس صاحب قرار السّلم والحرب وإنه محاطٌ بجيوش لا شكّ أنّها تستطيع دثره خلال أيّام إذا قرّرت ذلك. لذا فالفرقاء اللّبنانيّون وَلَو مرغمون لا يستغنون عن حزب الله، لكن ليس الجميع يحبّونه بل يتحالف معه بعضهم بغية التقدّم خطوة في المسير الأصل الذي يخطّط له منذ البعيد، فيربح منصبا ما ويحاول التّخلّص من أحزاب تشكّل حجر عثرة في مسيره وكعت عليه سابقاً ويرى فيها تهديداً لهذا المسير. وعندما ينتهي من هذه الأحزاب الضّاغطة على أنفاسه، لا بدّ له أن يتنفّس أكثر وأكثر وينزع ضغط حزب الله عنه فيفضَّ تحالفه معه. وها نحن نشهد في كلّ فرصة تسنح الغمز من باب الاستقلال والسّيادة والمناصفة وغيرها. في الواقع كلا الفريقين حزب الله وأيّ فريق آخر في لبنان ما عدا حركة أمل لا يتشاركان أيّ هدفٍ بعيد الأمد. أهدافهما المشتركة هي آنيّة وقد تلتقي والتقت فعلاً المصالح لوقتٍ معدود ومحسوم ولو أقسما خلافاً لذلك فلا أحد يصدّقهما. كلٌّ منهما له تاريخه المختلف وعقيدته وإيمانه المختلفين وأكثر من ذلك ثقافة وسلوك مختلفين! 
إذاً لا بدّ من اختلاف وخلاف في آخر مطاف تحالف أيٍّ كان مع حزب الله. أمّا نحن اليوم فنعيش ما قبل هذا الخلاف لأن الحاجة من هذا التّحالف من طرف الفريقين لمّا تنتهِ بعد. نحن نعيش طور القضاء على كلّ مَن يخالف توافق هذين الفرقين المتحالفين مؤقّتاً. فنخترع الحوادث ونستحضر الجنّ كي يساعدنا على افتعال مشكل ما في زاروب ما، نُصوّر ونُوَثّق بكاميرا ما، ما يودي بحياة شخص ما أو شخصين إلى الموت القسريّ. بعدها نحيّك المشكل سياسيّاً، نطرّزه، نقصّبه مع حلفائنا، نعظّم القتيل وذويه ونستثمر الدّماء المسفوكة للقفز خطوة إلى الأمام في المعترك السّياسيّ الدّائر. نقطة الخلاف عادت لتتبلوّر من البداية، والانقسام الذي كان قبل الطّائف عاد ليتصدّر عناوين الأخبار. كل الأحلام النّائمة أو التي خدّرها اتّفاق الطائف، عادت لتستيقظ اليوم من الكوما التي وُضعت فيها تحت عنوان تفادي زهق المزيد من الأرواح.  
بعدَ ان اشتدّ عود قِسمٍ من اللّبنانيّين بفضل عاملين لا يمكن الاستغناء عن أيّ منهما ألا وهما: ثورة 14 آذار التي أجبرت السّوري على العودة إلى دياره، ومن بعدها أو ربّما قبلها تحالفهم مع حزب الله، فبعد هذان المتطلّبان المسبقان والمتناقضان للتّمكّن من نيل كرسيّ الجمهوريّة، دخلت الجمهوريّة اللّبنانيّة أو دولة لبنان الكبير في صراع نشهد نتائجه كلّ يوم. فقد اعتمد بعض الفرقاء مقولة "الغاية تبرّر الوسيلة" وهي تبرّر كل صراع يحصل، إن كان في الانتخابات النّيابيّة أو تشكيل الحكومة أو التّعيينات أو وظائف مجلس الخدمة أو غليان الشّارع أو السّرقة أو القتل وصولاً إلى تدهور الوضع الاقتصاديّ وهجرة اللّبنانيّين. في الواقع إنّنا ورغم التّحالفات المؤقّتة فإنّنا لو نظرنا عميقاً إلى المناخ السّياسيّ في لبنان، فإنّه من الواضح منقسمٌ عاموديّاً، ما بين مؤيّد للمحور الإيرانيّ وبين متعلّقٍ بحبال الغرب التي توصله إلى قعر البئر وثمّ تقطع الحبال قبل انتشاله. لذا ارتأى قسم من اللّبنانيّين أن يبرّر الوسيلة بالغاية الأكبر فتحالف مع نقيضه في الرّؤى وأخذ يتنقّل بين المحورين ويلعب على الوترين كما ذكرنا، ما أوصله إلى الرّئاسة. لكن ماذا بعد الرّئاسة؟ هنا بيت القصيد. فالرّئاسة وحدها بمعانيها التي صاغها الطّائف لا تكفي وليست هي الغاية، بل هي الخطوة الأولى للتّفلّت من الطّائف أو الخدعة التي استعملها هذا الفريق لينقضّ على الطّائف. يبدو أن هذا الفريق مستعجلاً ولا ينتظر موسم القطاف، بل يريد أكل الثّمار فجّة. فيفتح عليه جبهات متناقضة تماماً بنفس التكتيك الذي أتى برئيسه رئيساً للبلاد. ينشغل بتحطيم حزبٍ ذي قيادةٍ درزيّة طالما كان العدوّ الأشرس له ويستغلّ عداء هذا الحزب مع حزب الله، فيشكّلان هو وحزب الله ضغطاً قويّاً يشلّ الحزب المقصود، بالرّغم أنّ جذوره في لبنان عميقة ومن الصّعب اقتلاعه. وهذا بالطّبع يصبّ في مصلحة حزب الله أيضاً، لأن تركيع الحزب المناهض للنّظام السّوريّ والحزب الذي طالما كان الضّلع الأقوى الذي لا يزال يدعم ما تبقّى من إنجازات 14 آذار، يهدّد هذه الإنجازات التي هي مسبقاً أصبحت مصدّعة من جرّاء عوامل سابقة أخرى الجميع يعلمها. أمّا بالعودة لحزب الله وما أن ينتهي العصر الذّهبيّ للحزب العاصي على الهزيمة حتى اليوم، حتّى يسهل على حزب الله التّخلّي عن رئيس الحكومة المقيّد تارةً من حزب الله وتارةً من السّعوديّة. وعندما تركع القوى الدّرزيّة والسّنيّة، يبقى الميدان مفتوحاً فقط للحبيبان اللّدودان: حزب الله أو الشّيعة إذا صحّ التّعبير والأحزاب المسيحيّة التي يمكن أن تعود وتتضامن مجدّداً كما تضامنت من قبل في انتخاب رئيس جمهوريّة وفقاً لفلسفة حقوق المسيحيّين في الشّرق. هكذا يكون قد ذاب الثّلج وبان المرج، ونَبَتَتْ أمام أنظار الجميع بذور التّحاف ما بين طرفٍ مسيحيّ في لبنان وحزب الله، ولكنّه بالطّبع ليس بنبات ومرجٍ أخضرَ، بل أحمرَ، أي حرب أهليّة رقم 2. لا أدري أيّ شكلٍ ستتّخذ الاصطفافات حينها؟ إلى جانب مَن سيقف مَن؟ هل يا ترى ستعود قوى 14 آذار بحلّةٍ جديدة، وهي التي شلّعت رداءها في الماضي القريب رياح السّلطة والمقاعد الانتخابيّة؟ 
من هنا أسأل ماذا يجني اللّبنانيّون إذا ربحوا الخارج وخسروا الدّاخل؟ ترى هل لدينا وفرة في أعداد الشّباب نريد أن نستثمرها في الحرب عوضاً عن تنمية الاقتصاد وتخفيف العجز؟ هل ليس لهذه الأحزاب وسيلة لجلب الثّروات غير الحروب، خصوصاً وأن الدّولة ووزاراتها فرغت من الغنائم بعد أن أصبحت في جيوب أسيادها، وبعد أن تسكّرت المزاريب التي كانت تغدق أفواه السّياسيّين وذويهم بالمساعدات والهدايا، ناهيك عن باريس واحد وإثنين؟ هل حظوظ سيدر قليلة وعلينا أن نجعلها فاعلة بطريقة أخرى؟ هل اشتقنا لسماع قرقعة السّلاح ودويّ الرّصاص ونرفض أيّة موسيقى فنيّة  متحضّرة من مشروع ليلى إلى الطّبلة والحبل على الجرّار؟ هل اعتادت الأحزاب اللّبنانيّة على اللّااستقرار؟ ربّما أنّها تملّ الأمن والاستقرار وتعتبرهما روتيناً، وكي تستمرّ بالتّجديد عليها البحث عن وسائل جديدة تولع الأجواء وتشغل الصّحف والرأي العام؟ أليس من الحريّ على هكذا أحزاب أن تنحلّ وتفتّش لنفسها عن باب آخر لتنفيس الحَقن الذي يخنقها وتفجير الطّاقة والنّشاط الذين تمتلكهما في أعمال إيجابيّة وخيّرة عوض عن الزّكزكة والاستفزاز والتّنقيب عن كلمة في الدّستور أو الموازنة علّها تصبّ في مصلحتها. هذه الأحزاب ولا أقصد هنا حزباً معيّناً، ألم تتعب من السّباق والمرافعات والهجوم والدّفاع دون أي نتيجة إلّا دماء الشّهداء في كلّ مرّة؟ 
من خلال هذا العرض الذي ربّما يحلو للبعض ولا يحلو للبعض الآخر، إنّما ما لا خلاف عليه هو السّؤال الوجيه أعلاه  الذي لا أحد يمكنه أن يعترف بلبنان وطن الحريّات والتّعدّديّة ويقبل بجواب يؤيّد الحرب الدّاخليّة، ويسعى إلى إطلاق الرّصاص على هذه التّعدّديّة، ويرضى بأن يتصالح مع الخارج ويقتتل في الدّاخل. لا أحد يمكنه أن ينسى إسرائيل العدوّ الخارجي ويتلهّى بعدوٍّ لبنانيٍّ داخليّ. لا أحد يزرع وروداً فوّاحة حول بيته وفي داخله أشواكاً مريضة. هذا ما يحصل اليوم في لبنان، نقدّم الاحترام والاتّفاقيّات على أطباق من فضّة للدّول العظمى، المجاورة والبعيدة، ونقدّم الرّصاص في صدور إخوتنا تحت السّماء الواحدة وعلى الأرض الواحدة. ألم يغنّي وديع الصّافي لبنانَ "لبنان يا قطعة سما" و "خضرا يا بلادي خضرا" ؟ بلى غنّى، وغنّته صباح أيضاً وفيروز، ولكنّنا غنّيناه نحن من بعدهم أغاني ميليشيات طائفيّة حاقدة حوّلت السّماء إلى دخان أسود والأخضر إلى يباس. وبعد المصالحات وعوض أن نعيد زرع الأخضر حفرنا الرّمل والصّخر ولوّثنا البحر والنّهر وهدمنا التّراث والشّعر والنّثر. ترى هكذا إنجازات مُخجلة ومتواطئة وخائنة، هل تستحق قطعة السّما التي كانت زرقاء عام 1943؟