ستبقى المختارة عصية وستنتصر

د. ياسر ملاعب |

بعد حرب طاحنة قسمّت البلد ودمرت مؤسسات الدولة الرسمية والعسكرية مناطقياً ومذهبياً، ومعارك على كل المحاور الشرقية والغربية كما كانت التسمية آنذاك، وحكومة هنا وحكومة هناك، وتدخلات خارجية اقليمية ودولية، وسورية واسرائلية، وبعد حروب الغاء وتحرير ومعارك سوق الغرب وصلنا الى اتفاق الطائف، واعادة اوصال البلد، وتم انتخاب رئيس جمهورية وتعيين نواب جدد وحل المليشيات وتسليم السلاح الثقيل وتكليف رئيس للحكومة وبناء المؤوسسات العسكرية والامنية.

وبما ان البلد كان مقسما، فطبيعي ان تكون الافكار والآراء ايضاً مقسمة، فكانت الاكثرية مع اتفاق الطائف والبعض ضده. لكن البلد آخذ يستعيد عافيته رويدا رويدا، وبدأت ورشة اعادة الاعمار، وبدأ معها الدين العام يتراكم. ثم وصلنا الى طرح اعادة تموضع القوات السورية بعد الانسحاب الاسرائيلي والتحرير، وترسخت اللحمة مع المصالحة الكبرى في الجبل. ثم وقع زلزال اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وتلاه انسحاب الجيش السوري من لبنان الذي سمح بعودة المبعدين والمنفيين وخروج البعض من السجون.

ومنذ ذلك الوقت تحول وليد جنبلاط الى هدف. في كل المراحل التي سبقت وحتى هذه الساعة، تهديد بالقتل، محاولات تحجيم، خلق اخصام لا حيثية لهم، افتعال المشاكل في الجبل، اللعب على الوتر المذهبي، التشكيك بالمصالحة، واستعملت كل الوسائل من اجل تحجيم وليد جنبلاط والقضاء عليه جسدياً ومعنوياً بقرار سوري واضح كرره مسؤولون سوريون وبعض الادوات في لبنان بكل وقاحة ودون خجل.

الا يعتبر ذلك عمالة لدولة خارجية وخيانة للوطن يحاسب عليها القانون؟ لكن للأسف حتى في الخيانة والعمالة هناك وجهة نظر، وهناك "عميل بـسمنة وعميل بزيت". عميل يدخل الى السجن ويحاكم، وعميل آخر يُكافىء ويصبح نائباً أو وزيراً. فهناك مجاهرة ومكابرة في تنفيذ اجندات خارجية و"على عينك يا تاجر". الاكثرية في لبنان لها اجندات وتتبع لدولة خارجية، الا الحزب التقدمي الاشتراكي ليس له اجندة ولا دولة خارجية يعطيها الولاء لتؤمن له الحماية، فليس له الا الوطن. ومن هنا نحن متمسكون ومتجذرون ومتصلبون، نقدم الغالي والنفيس من اجل حماية الارض والعرض والكرامة وليس لنا بديل آخر عن هذا الوطن، لا في الماضي ولا في الحاضر ولا في المستقبل.

يحاولون ان ينالوا من هذا الوجود لكنهم لم يتعلموا ولم يقرأو التاريخ. فنحن لم نخن ولم نتآمر على القضايا العربية والوطنية. بل على العكس كنا وما زلنا رأس حربة وقدمنا الغالي والنفيس دفاعاً عنها، لذلك لن نهادن المتطاولين مهما علا شأنهم. فما لم يحققوه في الحرب وبالقوة لن نسمح لهم بأن يحققوه اليوم وتحت اي شعار أو اعتبار. 

إقرأو التاريخ جيدا وانصفوا التاريخ واتعظوا. وليد جنبلاط لا يحاصر ولا يُحجّم ولا يهزم، فحذاري العبث معه، لأن سيفه ما زال مسلولاً، يقطع به جذور الفتنة والالسن المتطاولة، فهو دائماً مع الحق والحقيقة، فلا تُغالوا ولا تتمادوا ولا تعتقدوا ان وليد جنبلاط لا يقوى على المواجهة. رهاناتكم خاطئة، وتمنياتكم ساقطة، واحلامكم سراب. عروش اهتزت، رؤوساء سقطوا، زعامات اتدثرت، واقزام تبخرت، وبقيت المختارة على مدى هذه العصور عصية على كل المتأمرين، وانتصرت.