هدم المنازل.. عدوان متجدد

الإجراءات العدوانية التي قامت بها سلطات الاحتلال «الإسرائيلي» بالشروع بهدم ما يزيد على 16 بناء تحوي 100 وحدة سكنية في بلدة صور جنوب شرق القدس؛ تشكل عدواناً سافراً جديداً على الفلسطينيين، ولا يمكن الركون للحجج «الإسرائيلية» الواهية لإضفاء مشروعية على هذا العمل الوحشي، بذريعة تنفيذ حكم قضائي صادر عن محكمة «إسرائيلية»، استند إلى فرضية خاطئة تقول: «إن تلك المنطقة يجب أن تكون خالية من البناء لكونها محاذية»للجدار الآمن«الذي تقيمه سلطات الاحتلال».

وفي الواقع فإن هدفه تعزيز الفصل العنصري أكثر مما يهدف لتعزيز الأمن، ذلك أن الأبنية التي تُهدم تقع في المربع «أ» الذي يعتبر من ضمن الأراضي التي تشملها السيادة الكاملة للسلطة الوطنية الفلسطينية، وفقاً لما جاء في اتفاق «أوسلو»، أو اتفاق إعلان المبادئ حول ترتيبات المرحلة الانتقالية الذي تم التوقيع عليه في 13 سبتمبر/ أيلول 1993 في واشنطن بين منظمة التحرير الفلسطينية ممثلة في أمين سرها آنذاك، محمود عباس، «أبو مازن»، وبين شمعون بيريز وزير خارجية دولة الاحتلال «الإسرائيلي»، وبحضور الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، الذي رعى مفاوضات أوسلو، التي استمرت أكثر من عامين في عاصمة النرويج.

فرض واقعة الهدم بحكم قضائي «إسرائيلي»، يؤكد واقعة الاعتداء على القانون الدولي، لكونه يقع على أراضي الغير وفقاً لمفهوم هذا القانون، ولكون مفاعيل تفاهم أوسلو؛ تنطبق عليها واقعة المعاهدة الدولية، وهي مسجلة في الأمم المتحدة، وقد اعترفت بموجبها دول العالم بالسلطة الفلسطينية المستقلة كدولة تتمتع بكامل التمثيل في الأمم المتحدة. كما أن الاعتداء يعتبر جريمة حرب دولية، إذا ما كانت سلطات الاحتلال تعتبر الأراضي تحت سيادتها، لأن هذه الأراضي يشملها مفعول القرار الدولي 242، وقرار الجمعية العامة رقم 338، وبالتالي تكون القوى المحتلة مسؤولة عن أمن المدنيين، وعدم التعرّض لممتلكاتهم ومنازلهم، وما تفعله «إسرائيل» اليوم يصل إلى حد جريمة الإبادة.

العدوان «الإسرائيلي» الجديد على الفلسطينيين يقوِّض كل مساعي السلام، ويقضي على الآمال في انخراط الطرفين في مفاوضات شاملة للحل النهائي الذي يرتكز على إقامة الدولتين، بغطاء دولي وعربي، سبق أن تبنته قمم دولية، وعربية، لا سيما قمة بيروت للعام 2002. ذلك أن الاقتراحات الجديدة للحل الشامل، لا تستند إلى واقعية قابلة للتنفيذ، خصوصاً منها ما يُطلق عليها «صفقة القرن» لأنها تتناول الأزمة من الناحية المالية، والاستثمارية، والاجتماعية، من دون مراعاة المسائل الجوهرية التي تتعلَّق بالثقافة، والتراث، والتاريخ، والكرامة الوطنية، لأن الفلسطينيين هم شعب له كرامته الوطنية قبل أي شيء آخر.

السلطة الوطنية الفلسطينية هددت بالانسحاب من كامل الالتزامات السابقة، بما فيها اتفاقية أوسلو، واعتبرت عملية التهديم عدواناً سافراً ينذر بتفاقُم الأوضاع إلى مواجهات جديدة تقضي على ما تبقى من الآمال بالوصول إلى حل عادل. وهي تقدمت بشكوى إلى محكمة الجنايات الدولية في لاهاي، مرفقة بالمستندات القانونية التي تُدين سلطات الاحتلال «الإسرائيلي» على فعلتها الأخيرة. 

الدول العربية أدانت العدوان «لإسرائيلي» الجديد، واعتبرته تهديداً إضافياً لمساعي التهدئة، ولمفاوضات السلام برمتها. وقد تقدم مندوب الكويت الذي يمثل المجموعة العربية في مجلس الأمن الدولي بمسودة اقتراح لقرار، أو بيان، كي يتبناه المجلس، ويدعو فيه إلى إدانة عملية الهدم وإيقافها فوراً، والشروع في الجلوس خلف طاولة مفاوضات تقود إلى تحقيق الحل النهائي الذي نصت عليه اتفاقية أوسلو، يستند إلى حل الدولتين، والقدس الشرقية عاصمة أبدية لفلسطين، لكن المندوبة الأمريكية عارضت بمفردها هذا الاقتراح، برغم تفهّم الدول الـ14 الأخرى الأعضاء في المجلس لما جاء فيه.

ومن المفارقات اللافتة هذه المرة؛ كانت ردة الفعل الأوروبية الجامعة تجاه ما حصل في جنوب القدس. فقد أدانت الدول الأوروبية الكبرى عملية الهدم، لاسيما فرنسا وألمانيا وإيطاليا، كما أصدرت وزيرة خارجية الاتحاد الأوروبي، فيديركا موجيريني، بياناً أدانت فيه عملية الهدم، لكونها تقع ضمن أراضي السلطة الفلسطينية وفقاً لاتفاقية أوسلو، وبالتالي فإن العملية تعتبر خرقاً خطيراً للقانون الدولي.

ويرى المراقبون لتطورات الأوضاع الدولية، خصوصاً في الشرق الأوسط؛ أن نهج الغطرسة والتحلّل من موجبات القانون الدولي يتسلّل أكثر فأكثر، وقد تقدّم في الفترة الأخيرة على نهج التسويات، أو المفاوضات، وهذا النهج السافر الذي تمارسه «إسرائيل» يستفيد من السياسة الأمريكية المنحازة لها بالمطلق. - See more