بلغ السيل الزبى

وهيب فياض |

عندما تنوء الارض بحمل أثقالها، فلا بد ان تزلزل زلزالها 
وعندما يبلغ السيل الزبى فلا مفر من السباحة عكس التيار. 

وكذلك في السياسة، ناءت السياسة بأثقالها، فليس غريبا ان تزلزل زلزالها. 

وارتفع العاقلون وترفعوا كثيرا فوق السيل عَلّه يبلغ أوجه  ولا تزال بعض الارض غير مغمورة. 

اما وقد غمر السيل جل اليابسة، وبات يهدد بقلع أشجار عمرها مئات السنين، وبجرف كل ما صنعته الأيدي والعقول، بالعرق والدم والضحايا والشهداء، فأين المفر من المواجهة . 

زمن السلاح انتهى عند العقال منذ اتفاق الطائف، بعد ان ادى قسطه للعلى للعلم. ولكنه عند الجهّال أزهر في غير موسمه، وبالاعارة، والإعارة عادة موكل بها ابليس، ولكن الزهر لا يعقد ولا يصبح ثمرا في غير موسمه، الا في الخيم البلاستيكية الاصطناعية، التي لا تدوم، مهما كان غطاؤها  سميكا كجلود أصحابها. 

فمن أغراه ظاهر الحال، وهدوء البحر، ففي القاع سفن اعتقد ربابنتها انها عصية على الغرق، فغرقت وغرقت معها طواقمها، مع فائض حمولتها من عناصر القوة، التي تصبح عند هياج الأنواء اعباء على سفن أصحابها. 

على ما تبقى من ارض الوطن غير المغمورة بطوفان الإحساس بالقوة الوهمية نقف، ولسنا قلة، ولا نؤمن ان الأقليات تستوجب الحماية، بل ان وجود ما يسميه غيرنا اقليات، هي علة وجود هذا الوطن، الذي يبقى ما بقيت، ويزول اذا زالت. 

السلاح كان عزاً عندما احتاجه الوطن والكرامة والأرض والعرض، فما ان انتفت الحاجة اليه بالوصول الى شواطيء التسويات، حتى طلّقه أصحابه ثلاثا. صحيح انه زينة للرجا، ولكن للزينة مواقعها ومناسباتها، والا صار السلاح ثقلا على الخصور، ومفتنة لبعض سكان القصور، وطريقا سريعا للشباب الى القبور . 

وفي القبور شهداء يراقبون، ويسألون كل وافد جديد، بأي ذنب قُتِلت، ولأجل ماذا ومن.

الدم في سبيل الوطن الكرامة حلال، وبدون هدف حرام. 

والسياسة حروب باردة، لعن الله من جهد لتحويلها الى حروب دماء حامية، معتقدا انها نزهة، لانه لم يخضها ولا ذاق طعمها، فيحرِّض عليها بفرح النزق غير المتبصر. اما من خاضه، فلا يعود اليها ولو اُكرِه، فإن ابتلي بمن يستحسنها، جَهِد في ابعاد كأسها الذي لا زالت مرارته في فمه، حتى عن أخصامه وأعدائه، واجتهد في اجتراح الوسائل للحماية منها والابتعاد عنها، ولو على حساب التنازل عن بعض الحق، وتوسيع ملاعب الخصوم من مساحات ملاعبة، الا اذا كان لا مردّ لقضاء الله، وعسى العاقبة خير، فما اصابك لم يكن ليخطئ، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما رميت ولكن الله رمى، فالحرب اولها كلام، ولكن طعمها طعم الموت الزؤام، جعلها الله على الجميع ابغض الحرام.