عن غرائب كهرباء لبنان ومشكلاتها السياسية والصحية والمالية

19 حزيران 2024 08:49:38

تعود مشكلة الكهرباء في لبنان الى واجهة الأحداث، رغم تعدد التحديات التي تعصف بالبلد من مختلف النواحي، لاسيما تحدي الخطر الأمني الداهم الناتج عن العدوان الإسرائيلي في الجنوب، والفراغ في موقع رئاسة الجمهورية وبعض المؤسسات الدستورية الأخرى.

والغريب العجيب بما يحصل؛ أن المعالجات للمشكلة لم تصل بعد أن إيجاد حلول، رغم مرور سنوات طويلة على الأزمة، بينما تتفاقم أخطارها لتطال القطاع الصحي على شاكلة أصبحت تُهدِّد حياة اللبنانيين، وتلقي أعباء مالية على الدولة والمواطنين من جراء ارتفاع فاتورة الاستشفاء والطبابة. وقد أكدت التقارير الدولية ودراسات وزارة الصحة وابحاث الكليات الجامعية المتخصصة؛ تزايد الأمراض التنفسية والسرطانية بين اللبنانيين، وهي ناتجة بمعظمها عن ثلوث يسببه وجود ما يزيد عن 16800 مولد كهربائي من الحجم الكبير، تعمل في لبنان على مدار الساعة، ومعظمها غير مُجهز بمصافٍ هوائية، ومنها 8300 مولد في مدينة بيروت وحدها وفق ما جاء في إحصائية مؤسسة "الدولية للمعلومات".

وقد أطلقت وزارة الصحة العامة انذار فيه تحذير من مغبة استمرار الوضع على ما هو عليه الآن، كما تداعت أحزاب وجمعيات لعقد مؤتمرات متخصصة لاقتراح حلول سريعة للمشكلة المتفاقمة، خصوصاً المؤتمر الجامع الذي نظمه الحزب التقدمي الاشتراكي في 3 حزيران في بيروت، وقدَّم على إثره اللقاء الديمقراطي اقتراح قانون لضبط تجاوزات التلوث، وتنظيم قطاع المولدات لأنه ضروري ولا يمكن الاستغناء عنه، وفي ذات الوقت فإنه متفلِّت من كل قيد.

ومن دون الدخول في تفاصيل ما جرى لهذا القطاع الهام؛ يمكن التأكيد أن الإخفاقات الكارثية التي أصابته ناتجة عن مشاكل سياسية وإدارية بالدرجة الأولى، وتُبين الأحداث والمعلومات؛ أن غالبية المسؤولية عن المصيبة القائمة تقع على القيميين على إدارة هذا الملف منذ سنوات عديدة، وعلى القوى الفاعلة الأخرى لأنها سمحت بهذا التمادي بالعبث في موضوع يهم اللبنانيين ومصالحهم، لا سيما لكون الحياة العصرية تعتمد بالدرجة الأولى على الطاقة الكهربائية في تدبير كافة الشؤون الإنتاجية والمعيشية والصحية وفي قطاعات النقل والصناعة والاتصالات وغيرها، بينما المواطنون كما غالبية المؤسسات ما زالوا يدفعون قيمة فاتورة للمولدات وفاتورة لكهرباء الدولة للحصول على ساعات تغذية غير مكتملة.

يمكن تسجيل بعض الفضائح الغريبة التي أثيرت مؤخراً على سبيل المثال وللتأكيد على حالة العبث القائمة. 

اولاً: كشف وزير الاقتصاد أمين سلام عن افشال مشروع قدمته دولة قطر، وعرضت فيه استعدادها لبناء محطات توليد كهرباء بالغاز وبالطاقة الشمسية من دون أن تحمِّل الدولة أية أعباء حالياً، وكانت وزارة الطاقة أفشلت في السابق عرض من صندوق التنمية الكويتي لهذه الغاية، وتوضيح وزير الطاقة وليد فياض لما جرى لم يكُن مقنعاً على الإطلاق. أما المثال الثاني على هذا العبث، فهو في اعتراف مؤسسة كهرباء لبنان وسلطة الوصاية عليها؛ بأنها لا تضع جدول يحدد ساعات التغذية التي ترسلها على شبكات النقل، كي لا تستفيد العصابات من فترة الأمان وتقطع خطوط الجر النحاسية لسرقتها، علماً أن القوى الأمنية حققت في الإيام الماضية إنجازاً كبيراً من خلال توقيف افراد أكبر عصابة لسرقة كابلات الكهرباء. والمثال الثالث الغريب، هو اعلان ادارة المؤسسة في اجتماعات عقدت مؤخراً أنها على استعداد لتغذية الشبكات بأكثر من 12 ساعة يومياً بعد أن ارتفعت قيمة الجباية بشكل كبير، ولكنها لن تفعل حالياً، لأنها بذلك تقدم خدمة للذين يسرقون التيار في بعض المناطق والمخيمات كما تقول. ومن المعروف أن سبب تعطيل اتفاقية استجرار الطاقة من الأردن كان سياسي واستراتيجي ايضاً، ولم يكن بسبب " قانون قيصر" كما قيل، وقد فُجرت بعض أعمدة الكهرباء بالعبوات الناسفة داخل الأراضي السورية بعد الإعلان عن اتفاق الإستجرار عن قصد؛ لعرقلة عملية الاستجرار. 

بطبيعة الحال؛ فإن غالبية المشكلات القائمة ليست من مسؤولية إدارة مؤسسة كهرباء لبنان وحدها، وليست المؤسسة مَن يُعطل تنفيذ مندرجات القانون 462 والقانون 318، لا سيما لناحية عدم تأليف الهيئة الناظمة التي تأخذ جزء كبيراً من دور وزارة الطاقة، وهو ما يعترض عليه القيمون على الوزارة، وبالتالي يعرقلون تنفيذ القانون. ولكن في ذات الوقت فإن المؤسسة مطالبة بالقيام بعملٍ أفضل، ووضع الجميع أمام مسؤولياتهم. ومن دون قيامها بهذا الدور وتزويد المواطنين بالتيار الكهربائي؛ لا يمكن انهاء التلوث، ولا حل مشكلة المولدات الخانقة، خصوصاً أن المؤسسة أصبحت تتقاضى فواتير وازنة من المشتركين، وبأسعار معقولة تكفي لتغطية كل عمليات الإنتاج من دون حاجة لأي دعم مالي.