صيف لبنان يحلّ مُبكرًا... وتموزه يُعلن الحياد!

19 حزيران 2024 06:58:36

لم تنتظر موجات الحرّ في العام 2024 البداية الرسمية لفصل الصيف، التي تصادف في الحادي والعشرين من شهر حزيران، وتسلّلت باكرا على غير عادتها. وعلى وجه السرعة يوضع الإحتباس الحراري في قفص الإتهام، تبعا لما يسبّبه من خلل في توازن الطبيعة عالميا، والدليل ما يشهده العالم من كوارث مرعبة ومتتالية.

وكما هو متداول بين أوساط علماء المناخ والبيئة، فإنّ درجة حرارة الأرض ارتفعت 1.5 درجة مئوية، بعد العصر الصناعي، فدخلنا عصر الغليان المدمّر للطبيعة وإنسانه على حدّ سواء.

وفي دراسة سابقة في شهر أيّار من العام 2023، رجّح علماء تصاعد درجات الحرارة في العالم لتتجاوز عتبة 1.5 درجة مئوية بنسبة 66%، وهي الحدّ المقرّر لارتفاع حرارة الأرض، وذلك للمرّة لأولى خلال السنوات القليلة المقبلة، وسط تزايد فرص تخطّي هذا الحاجز، نتيجة الإنبعاثات الحرارية الناجمة عن الأنشطة البشرية، ونمط الطقس المحتمَل أن تخلّفه ظاهرة "النينيو"، في وقت لاحق من هذا العام(2023).

ووفقاً للعديد من الدراسات المفسّرة لاحترار كوكب الأرض، والتسبب بظواهر مناخية متطرفة، فإنّ ذلك لا يقتصر على البشر فقط، إذ يؤدي تذبذب طبيعي غير منتظم في حركة الرياح ودرجة حرارة المياه شرق المحيط الهادئ الاستوائي، إلى سلسلة من التأثيرات في أنماط الطقس حول العالم، مثل النينيو" و"النينيا"، وهما جزءان طبيعيان من نظام المناخ العالمي.

وربّما ما يعني الناس أكثر من أسباب حدوث الظاهرتين المناخيتين، هو طبيعة وحجم تأثيرهما، والذي يشمل احتمالية زيادة حدوث ظواهر الطقس المتطرفة في مناطق معينة، بما في ذلك حالات الجفاف والفيضانات والعواصف، وما تخلّفه من تداعيات إنسانية فيها كزيادة انعدام الأمن الغذائي، وارتفاع معدلات سوء التغذية، وتدمير سبل العيش، والنزوح القسري، كما تسببت الأمطار الغزيرة في تفشي الأمراض المنقولة بالمياه مثل الكوليرا والتيفوئيد والملاريا.

وعن علاقة الظاهرتين بتغيّر المناخ، اعتبر علماء في العام 2023 أنّ التحول الطبيعي في رياح المحيط الهادئ يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة العالمية وإحداث فوضى في الطقس في جميع أنحاء العالم، وهذا ما حدث فعلًا.

حزيران هذا العام على غير عادته!

لبنانيا، شهدنا موجات حرّ متتالية ومبكرة هذا العام، وتحديدا بعد منتصف شهر حزيران، ما يدفعنا إلى حالة من الترقّب لمعالم الصيف، وما إن كان متطرّفًا في حرّه وجفافه في شهري تموز وآب، خصوصا بعد أنّ سجّل تموز من العام الماضي أرقاما قياسيّة لم تشهدها البشريّة، على حدّ تعبير خبراء الطقس والمناخ.

"الديار" استطلعت معالم شهر تموز المقبل من رئيس قسم التقديرات في مصلحة الأرصاد الجوية في مطار بيروت الدولي محمد كنج، الذي لفت إلى أنّنا عادة لا نشهد موجتي حرّ متتاليتين في شهر حزيران، فشهرا تموز وآب هما اللذان يؤثران عادة على الداخل اللبناني، فقد وصلت درجات الحرارة في زحلة لحدود 41 درجة، ومقارنة بالسنة السابقة، وصف كنج حزيران الماضي بـ"اللطيف" نسبيًا، حيث تخلّله هطول للأمطار، فيما لم يظهر أيّ شيء هذه السنة حتى الآن، لافتًا إلى أنّ فصل الصيف عادة يبدأ في 21 حزيران وينتهي في 21 أيلول، لكنّه بدأ هذه السنة باكرا، فهو يطول ويتمدّد في منطقتنا على حساب فصلي الربيع والخريف، نتيجة التغيّر المناخي والإحتباس الحراري، كما يأتي شهر أيلول حارا نسبيًا، والشتاء البارد يقصر.

موجات الحرّ بين الداخل والساحل: ما الفرق؟

هذا العام، أعلن الصيف عن قدومه عبر موجات حرّ قاسية، لم نعهدها في مثل هذا التوقيت والحدّة، ما يستدعي السؤال عن مدى تأثيرها وتتاليها في صيفنا المرتقب.

بهذا الصدد، طمأن كنج بأنّ تأثير موجات الحرّ لا يشكل خطرا على الداخل، كون الرطوبة في المناطق الداخلية (البقاع تحديدًا) تظلّ منخفضة، ما يساعد الجسم على تحمّل الحرارة، شرط تجنّب التعرّض مباشرة لأشعة الشمس في ساعات الذروة، وتجنّب الأشغال المرهقة كونها ترفع درجة حرارة الجسم، متطرّقًا إلى عامل مخفّف من الأخطار، وهو الفرق في درجات الحرارة بين الليل والنهار هناك، بحيث تنخفض ليلًا بشكل كبير فترتاح الأجسام وهذا بخلاف الساحل، حيث الفرق يكون بحدود 3-4 درجات ليس أكثر، والرطوبة مرتفعة ليلًا، ما يتسبّب بتعب مستمر للجسم وعدم ارتياح.

واكد انّه حتى لو استمرت موجات الحرّ لفترة قصيرة، فإنّها ستكون مزعجة لسكان الساحل، وما يفاقم الوضع هوعدم توفر الكهرباء بشكل مستمر لأجل التبريد، شارحا أنّ الشعور بالحرّ يزيد بسبب إرتفاع نسبة الرطوبة، فمثلا إذا كانت الحرارة 33 درجة مئوية والرطوبة 90% ، فإنّ الإنسان على الساحل، يشعر بالحرّ كأنّ الحرارة تبلغ 50 درجة مئوية.

لِمَ تحصل هذه التغيّرات؟

أعاد كنج هذه التغيّرات إلى ظاهرة "النينيو" الناتجة عن الإحتباس الحراري، فهناك ما يعادل 70% من الكرة الأرضية مغطّى بالمياه التي تخزّن الحرارة، وهذا يرفع درجة حرارة سطح المياه، ويدفع بكميات كبيرة من البخار في الغلاف الجوي، فيزيد الإحترار وتزيد الظواهر المتطرّفة، وهذا ينعكس سلبا بكلّ المجالات، لناحية طريقة تساقط الأمطار، فتصبح أكثر غزارة ومدمّرة وتتسبّب بانجرافات في التربة، وفي نفس الوقت قد تصاب بالجفاف ولا تتساقط فيها الأمطار مجدّدا، ما يؤدّي إلى عدم توازن بطريقة تساقطها وتوزيعها وهذه هي المشكلة.

ماذا عن طقس تموز وآب؟

كشف كنج أنّنا اليوم نخرج من ظاهرة "النينيو "ونتّجه إلى ظاهرة "النينيا" أو الظاهرة الأبرد، وسيكون تموز هذا العام ألطف من تموز 2023 أو ربّما تكون درجاته ضمن المعدّلات، أو يكون حياديا لأنّ ظاهرة "النينيو" بدأ ينتهي تأثيرها، وعادة يتبعها طقس حيادي ضمن المعدلات أو أبرد قليلَا بفضل ظاهرة "النينيا"، فيما طقس آب يمكن يكون أعلى بنصف درجة، وهذه هي التوقعات الفصلية لشهري تموز وآب هذه السنة.

وشرح كنج أنّه في فترة "النينيو" تهبّ الرياح الموسمية في المحيط الهادي حول خط الإستواء، من الشرق (أميركا) في اتجاه الغرب (أوستراليا وآسيا)، ما يؤدي ذلك إلى دفع المياه السطحية الدافئة نحو الغرب، وصعود المياه الباردة على طول السواحل الأميركية، فتميل الرياح إلى عكس اتجاهها، وترتفع درجة حرارة المياه السطحية قبالة سواحل القارة الأميركية، وعادة ما تتخلّل الظاهرتين فترة محايدة. اضاف: نحن في صيف 2024 الأرجح ضمن هذه الفترة المحايدة، أمّا في فترة "النينيا" فتكون هذه الرياح أكثر شدّة، ودرجة حرارة سطح الماء أبرد من المعتاد في شرق المحيط، ما يدفع بالمزيد من المياه العميقة الباردة نحو السطح، لذلك تعرف بفترة التبريد.

ولتلافي انعكاس الطقس الحارّ على الصحة، أوصى كنج بتجنّب التعرّض المباشر لأشعة الشمس، الإكثار من شرب المياه والمرطّبات، عدم ترك الأطفال -ولو لفترة قصيرة- داخل المركبات المغلقة، عدم ترك مواد قابلة للإشتعال لفترات طويلة داخل المركبات، التخلّص الآمن من السجائر لمنع نشوب الحرائق، ولبس ملابس فضفاضة فاتحة اللون.

خلاصة القول... يأمل اللبنانيون ان يأتي تموز لطيفا ، كي لا يتفاقم الجفاف أكثر، لا سيّما في ظلّ الإجرام الصهيوني اتجاه الاحراج الجنوبية التي يمعن في إشعالها عمدا، إلى ذلك وعموما، فإنّ تأثير ظاهرة "النينيو" على المناخ، لا يعفي الدول الملوِّثة من مسؤولياتها، فصندوق التعويضات للدول المتضرّرة مناخيا، ليس حلّا كما يريده البعض أن يروّج، فالحلّ يكمن في تخلّي هذه الدول عن سياساتها الإقتصادية المفسدة للبيئة، وإلا ستبقى المؤتمرات السنوية والإتفاقيات الدولية مجرّد حبر على ورق!