سلام الرفاق رفاق القتال

وهيب فياض |

ذكّرتني هذه الكلمات بإذاعة صوت الجبل التي تم إقفالها بقرارٍ من وليد جنبلاط مع بزوغ فجر الطائف، في رسالةٍ واضحة بأن للسلم التزاماته ومستلزماته. 

أقفل وليد جنبلاط إذاعة صوت الجبل يوم لم يكن من منابر لإعلامه سواها، ويوم لم يكن من فضائيات، ولا هواتف خليوية ولا ديجيتل، ولا تويتر، ولا فيسبوك، ولا صحف الكترونية، مرسلاً بذلك رسالةً واضحة لكل من شارك في إبداع اتفاق الطائف آنذاك بأنه خلع ثياب الحرب بعد أن ربحها، وأعاد السلاح ثقيلَه قبل خفيفِه إلى من أرسله إليه، لأن الجبل يخوض الحروب عندما يكون، بكل ما يعني ذلك، مهدداً أرضاً وكرامة.

لا علاقة لعمر وليد جنبلاط آنذاك، الشاب القوي البنية، الممتلىء حيوية، ولا لعمره اليوم كهلاً في السبعين، بقراراته المصيرية في الأوقات والأزمنة الدقيقة. 
وليد جنبلاط يأخذ قراراته قياساً على عمر قصر المختارة في السياسة، وليس على مقدار تعداد سنوات حياته. 

"سلام الرجال رفاق القتال"، كلماتٌ لها وقعها عند أهل الجبل. ووليد جنبلاط يعرف متى يستخدمها، ومتى يذكّر بها. 

كلّ الإدمان عند أهل الجبل على سماع نشيد صوت الجبل صباحاً، ونشيدها عند الإقفال منتصف الليل، تحوّل بسحرٍ ساحر، إلى إدمانٍ على تغريدةٍ يومية على "التويتر" يأخذها أهل الجبل جرعةً واحدة في ثوانٍ، فيحافظون على لياقتهم النفسية والبدنية والسياسية، وحتى العسكرية، وذلك بتمرينٍ بسيطٍ على فكّ رموز التغريدة.

حتى أن عدوى الإدمان على التغريدة انتقلت الى الغير، صديقاً كان أو خصماً في السياسة. ونحن لا نسمّيه عدواً، فليس لنا في الداخل أعداء، بل خصومٌ غير دائمين يقتربون منا ويبتعدون عنا بمقدار ما يتأرجحون بين الصواب والخطأ. 

وليد جنبلاط في السبعين هو نفسه وليد جنبلاط في الأربعين، يهوى سباقات التعرج الطويل، والقفز فوق الحواجز لإثبات ذات بيئته السياسية والفكرية، تارةً بجيوشٍ مدججة بالسلاح، وتارةً بجماهير مدججة بالنضج السياسي. 

وليد جنبلاط، الخبير في التعرج وقفز الحواجز، يعرف كيف يسير في منحنيات السياسة اللبنانية محافظاً على توازنه بالإتّكاء على عصيّ ثوابته، عصا السلم الأهلي بيسراه، وعصا العروبة والقضية الفلسطينية بيمناه. 

يحيكون له المكائد في الخفاء فيقفز فوقها، ويقفلون عليه الدروب في المنحنيات فيلتفّ عليها بهدوء الواثق من نيل ميدالية السباق. 

أقفل وليد جنبلاط صوت الجبل واستبدلها بتواصلٍ يوميٍ ببضع كلمات يتردّد صداها في فضاء كل وسائل التواصل، لتصبح مئة ألف صوت للجبل، ومئات ألوف الأصوات اللبنانية التي لا يسكتها قمع، ولا يرهبها سلاح، ولا يُسمع مع هديرها نقيق الضفادع مهما تجمّعت على أطراف برك المياه الآسنة. 

وليد جنبلاط في السبعين، هو هو نفسه وليد جنبلاط في الثلاثين والأربعين، ولكنه صار أجمل مكلّلاً بهيبة المشيب، وحكمة الشيوخ، وهدوء الخبير، فيما غيره يزداد نزقاً كلما تقدّم به العمر. 

صوت الجبل ما زالت ملء السمع في تناغم تغريدات وليد جنبلاط مع أصدائها التي تتردد في الصحيفة الإلكترونية، وحسابات التويتر، والفيس بوك وسواها. ومن كانت ترعبه أصوات مدافع الجبل في الحرب، ستبقى تقلقه أصوات الكلمات في السلم. ومن له أذنان فليسمع.