الدلالات الرمزية للأساطير

ألحان الجردي |

يظنّ معظم الناس أنّ الأساطير هي نوع من الخرافات التي صاغتها شعوب بدائية، بإعتقادهم لم تكن قد وصلت إلى نور المعرفة بعد، أو قد تكون أحداثاَ لقصص حدثت في عصور قديمة وتناقلتها الألسن عبر الأزمان فأُضيف عليها وشُوِّه فيها حتى باتت على الشكل الذي نعرفه، والبعض يعتقد أنها تصوّرات للثقافات الغابرة حول مفاهيم الحياة المختلفة، ولكن في الواقع فقد توصّلت العلوم الإنتربولوجية والنفس- إجتماعية إلى تحليل الكثير من الرموز الأسطورية للشعوب، وقد أعطت كل من هذه العلوم تحليلات مختلفة تنطلق من طبيعة توجّهاتها سواء كانت حضارية أم إجتماعية أم نفسية.
أودّ أن أبدأ بِعرض أسطورة مصرية قديمة وأقدّم تحليلاً رمزياً لها إنطلاقاً من أبعاد حضارية- تاريخية – ثقافية، هي أسطورة "إيزيس وأوزوريس".
تروي الأسطورة قصة زوجين طيّبين وصالحين حكما مصر القديمة بالعدل والحكمة وساد بينهما الحب والوفاق، هما الملك أوزوريس وزوجته إيزيس، وكان لأوزوريس أخ يُدعى "سث" متزوج من شقيقة إيزيس، وكان "سث" وزوجته يغاران من محبة وعدل إيزيس وأوزوريس حيث كانت زوجة "سث" معجبة بأوزوريس، وقد أراد "سث" أن يصبح هو الملك وينال الحكم مكان أوزوريس فقرّر أن يقتل شقيقه، فقام بقتله ووضعه في صندوق خشبي ورماه في النهر حيث سار الصندوق واستقرّ في بلاد بعيدة، وهنا راحت إيزيس تبحث عن زوجها الميت وأرادت أن تعود بجثته لدفنها بالشكل اللائق، فوجدته بعد رحلة بحث طويلة وعندما فتحت الصندوق عادت الحياة لأوزوريس وعادا معاً إلى المملكة، وعندها قرّر "سث" أن يتخلّص مرة أخرى من شقيقه فقام بتقطيعه ورمى كل قطعة منه في بلد، وعادت إيزيس تبحث عن أشلاء زوجها الحبيب، فجمعت أشلاءه المتناثرة في البلاد وغطّت روحها أجزاء جسده والتحمت روحيهما فحمِلت إيزيس وأنجبت طفلها "حورس" وحمَته حتى كَبُر واستلم عرش المملكة، حيث كان حاكماً عظيماً وبات إلهاً يعبده شعبه، فصار "حورس" رمزاً للحكمة والإستنارة في المعابد.
نجد في هذه الأسطورة رموزاً عديدة، يمكن أن نبدأ برمز الثنائية المتناقضة، حيث شخصيتيّ إيزيس وأوزوريس ترمزان إلى الحب والعدل "الخير" وفي المقابل "سث" وزوجته الحاقدين والطامعين بالسلطة رمزاً للشرّ، إذن هناك الخير والشر والحب والكره (الثنائيات والمُتناقضات).
كما نجد رمز إعادة الإنبعاث والحياة بعد الموت عندما عاد أوزوريس إلى الحياة بعد أن فتحت إيزيس الصندوق الخشبي، وذلك يدلّ على فكرة إعادة الإحياء بعد الموت والتي كانت سائدة في تلك الحضارة.
وتبعاً لفلسفة حكماء مصر القديمة حول مرور الروح بالكثير من الحيَوات وصولاً إلى الحكمة المُطلقة والإستنارة قد يرمز تقطيع جسد أوزوريس ورميه في أماكن مختلفة واستعادة إيزيس لهذه الأشلاء إلى إجتماع الحيَوات السابقة العديدة وإحياء الذاكرة لها في نهاية المطاف، حيث كانت نهاية الإسطورة ولادة "حورس" الذي بات ألهاً، وهذا يُشير إلى الوصول للإستنارة المطلقة بعدد المرور بحيَوات عديدة وتذكرها كاملة في لحظة الإستنارة، وطبعاً ترمز إيزيس الأنثى التي تجمع الأشلاء وتحمِل وتلِد إلى عملية الموت والولادة.


إذا صحّت هذه الدلالة الرمزية لتلك الأسطورة فإنّ فكرة أنّ الأساطير هي خرافات شعوب غير مُستنيرة بالعلم حتماً سوف تتلاشى ويحلّ مكانها الإعتقاد بأنّ الأسطورة لا بدّ وأن تكون رسالة من حضارات على مستوى عالٍ من الوعي والحكمة، ولكن يبقى تحليلها وفهمها مرهونين بمستوى الوعي "الحكمة" الذي وصل إليه المُحلّل "الحيَوات التي عاشها وتعلّم منها" تِبعاً لتلك الفلسفة.
إنّ عرض أسطورة " إيزيس وأوزوريس" بالذات ليس عابثاً حيث أنها من أقدم الأساطير في التاريخ البشري، وإذا أردنا تتّبّع التاريخ قد نجد ما يُشبهها بالمعنى الرمزي، فتتجسّد تلك الأسطورة في قصة ولادة السيّد المسيح، حيث حمِلت السيدة مريم العذراء من الروح القدس وأنجبت السيد المسيح الذي صنع المعجزات وكان مُستنيراً.
وفي أسطورة تفسير الخَلق، أو كيف بدأت البشرية نجد قصة آدم وحوّاء تُحاكي فكرة الوِحدة التي كانت في البدء حيث كان آدم وحواء متّحدين في جسد واحد وانفصلا، وهذا الإنفصال أدى بهما إلى رؤية الإختلاف بينهما فشعرا بالخجل أحدهما من الآخر وأحسّا بضرورة التستّر، وهذا الحدث يُشير إلى بداية وضع البشر للقواعد الإجتماعية فانتقلوا إلى مرحلة مختلفة عن البدائية الحيوانية، فقد كان الإدراك أو العقل الواعي الذي ظهر، سبباً للشعور بالخجل، ثمّ وقع الحدث بأن أقنعت حواء آدم بتناول التفاح المحرّم فعلقت التفاحة في حلقهِ، وهنا نجد دلالة على فكرة الإغواء وحدوث الفعل الجنسي، ويمكن أن نلاحظ أن آدم لامَ حواء على تلك الخطيئة حيث برّر رغبتهُ بأنها هي من أغوتهُ، فأصبح ذلك الحدث خطيئة تسبَب الشعور بالذنب، وبالتالي لا يُزيل الإحساس بالذنب سوى العودة إلى الإتحاد الأوّلي "المُقدّس" الذي عُرّف بالحب أو الزواج مع بداية تنظيم المجتمعات. 
من منظار آخر تُحاكي قصة آدم النظريات العلمية التي تحاول تفسير نشأة الكون، ففي البداية كانت الخليّة الكونية الواحدة ثمّ حدث الإنفجار الكبير، فانفصلت الأجزاء وتكوّنت الكواكب والمجرّات، وهنا نجد الفكرة المشتركة لمسألة الوِحدة ثمّ الإنفصال ليبدأ الخلق، ويكمن الإختلاف بين التفسير العلمي والديني في أن الأوّل ركّز على كيفيّة تكوّن المادة والكواكب والنجوم بينما إهتمّ الثاني بالتكوين البشري للنفس والروح.
تلك النبذة التحليلية تدلّ على أن الأساطير ليست خرافات وأحداث خيالية أو تصوّرات عشوائية بل هي رسائل معرفيّة تُلقي الضوء على المصادر الأولّية لكل ما نعرفهُ وندركهُ اليوم.