حول عضويّة فلسطين: "الفيتو" لا يعطّل التّوصية كما يعطّل القرار في مجلس الأمن

25 أيار 2024 09:27:10

من خلال دراسة قانونية وسياسية لمقاصد ميثاق الأمم المتحدة وأهدافه؛ يتبين من دون أي شك، أن توصية مجلس الأمن الدولي بقبول عضوية دولة جديدة في الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ لا ينطبق عليها ما ورد في الفصل السادس والفصل السابع من الميثاق اللذين تحدثا عن قوة حق نقض القرارات "الفيتو" المُعطى للدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن، والتوصية تحتاج إلى موافقة 9 دول من أصل 15 دولة عضو في المجلس، بموجب نص واضح وصريح جاء في الفقرة الرابعة من الفصل الثاني من الميثاق، وقرار قبول العضوية النهائي يعود إلى غالبية ثلثي أعضاء الجمعية العامة. 

من حق فلسطين أن يكون لها مقعد دائم وعضوية كاملة بين الدول التي تتشكَّل منها الجمعية العامة للأمم المتحدة، ذلك أنها شعب وأرض وسلطة، بصرف النظر عن النزاعات التي أوجدها الانتداب ومن ثمَّ الاحتلال، وما نتج منهما من اختلالات قانونية وواقعية. ويمكن التذكير بالقرار الرقم 181 تاريخ 29/11/1947 الصادر عن الأمم المتحدة لتأكيد حق الفلسطينيين بدولة كاملة السيادة، رغم الاعتراضات السياسية العربية التي واجهت قرار التقسيم في حينها. وفي ذلك الوقت كان عدد الأعضاء في الأمم المتحدة 56 دولة، بينما هي اليوم 193 دولة، أي أن تأهل فلسطين إلى العضوية سبق أحقية غالبية من الدول الأعضاء حالياً.

يدور نقاش بين أساتذة القانون الدولي العام حول الخطوات التي حصلت في مجلس الأمن، لا سيما بعد الفيتو الذي استخدمته الولايات المتحدة الأميركية في 18 نيسان (أبريل) الماضي ضد توصية قبول العضوية الكاملة لدولة فلسطين التي تتمتع بمقعد مراقب في الأمم المتحدة منذ عام 2012. وهل الفيتو الأميركي له قوة تعطيلية للتوصية التي وافقت عليها 12 دولة في مجلس الأمن؟ بينما حق النقض "الفيتو" الذي أعطاه ميثاق الأمم المتحدة للدول الخمس الدائمة العضوية (الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وروسيا والصين وبريطانيا) تحددت موضوعاته ومراميه في الفصلين السادس والسابع من الميثاق اللذين يتناولان حالات الحفاظ على الأمن والسلام العالميين، والعضوية الجديدة في الهيئة العامة تحدث عنها ميثاق الأمم المتحدة قبل أن يذكر أي شيء عن حق النقض. 

من وجهة نظر عدد كبير من أساتذة القانون الدولي؛ فإن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الصادر في 10 أيار (مايو) 2024 هو بمثابة تأكيد لقبول عضوية دولة فلسطين الكاملة في الأمم المتحدة بحسب الفقرة 2 من المادة 4 التي تنص على أن قرار قبول العضوية يُتخذ في الجمعية العامة بناءً على توصية مجلس الأمن. وبذلك يكون القرار للجمعية العامة، وهو نهائي وليست هناك حاجة لعرضه مرة أخرى على المجلس، لأن هذا المجلس صوّت في 18 نيسان (أبريل) بغالبية 12 عضواً فيه لمصلحة الموافقة على التوصية بقبول العضوية، وبالتالي فإن الفيتو الأميركي في هذه الحالة مُنعدم الوجود من الناحية القانونية، كونه اعترض على توصية وليس على قرار، وهو موضوع اجرائي لا علاقة له بالأمن والسلم الدوليين.

إن قرار الجمعية العامة الأخير بموضوع عضوية دولة فلسطين في المنظمة حصل على موافقة 143 دولة، وهي أغلبية ساحقة تمثل الإرادة الدولية، ما سيجعل عرض مشروع القرار مرة أخرى على مجلس الأمن وكأنه تجاوز لهذه الإرادة الدولية، بما يتنافى مع أهم مبادئ هيئة الأمم المتحدة التي تحترم كل الدول بالتساوي، خصوصاً لأن عرض القرار على مجلس الأمن من جديد، ربما يُعرضه إلى نقض آخر قد يُنتج بلبلة كبيرة، ويُعتبر إساءة عارمة للمجتمع الدولي، واستخداماً تعسفياً لحق النقض، وخروجاً عن المقاصد التي ولدت من أجلها الهيئة، لا سيما لكون عدد كبير من دول العالم – بما فيها دول أوروبية – اعترفت بهذه الدولة وأقامت علاقات دبلوماسية معها. 

وإذا كان المبدأ القانوني العام المتوارث على مرّ التاريخ يؤكد أنه "عند وجود نص واضح تنتفي الاجتهادات"، وهو واضح في هذا السياق، كون قرار قبول عضوية الدول ينص عليه الفصل الثاني من ميثاق الأمم المتحدة.

وعليه، فهو لا يتعلق بصلاحيات مجلس الأمن في الفصلين السادس والسابع في حل النزاعات الدولية وحفظ السلم والأمن الدوليين، حيث ذُكر حق النقض فيهما دون غيرهما من الفصول. إن قبول نتائج الفيتو الأميركي ضد مشروع القرار الذي قدمته الجزائر في 18 نيسان (أبريل) 2024 يتنافى مع ميثاق الأمم المتحدة ويتعارض مع مقاصد المنظمة. فالمادة الثانية (الفقرة الأولى) من ميثاق الأمم المتحدة تنص على أن الأمم المتحدة تقوم على مبدأ المساواة في السيادة بين جميع أعضائها.

والهدف من منح حق النقض للدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن هو حماية الأمن والسلم الدوليين وليس عرقلة عمل هيئة الأمم المتحدة.

إن الفقرة الثانية من المادة 27 تسمح بصدور قرارات عن مجلس الأمن في المسائل الإجرائية بموافقة تسعة من أعضائه، والتوصية بقبول عضوية دولة في الأمم المتحدة هي مسألة إجرائية تتعلق بالفصل الثاني من ميثاق الأمم المتحدة وليست مسألة موضوعية كما جاء في الفصل السادس أو السابع من الميثاق اللذين تحدثا عن وظائف مجلس الأمن وسلطاته، والمادة 24 (الفقرة الثانية) التي تنص على أنه يجب على مجلس الأمن، عند أدائه هذه الواجبات، أن يعمل وفقاً لمقاصد الأمم المتحدة لا ضدها، والسلطات الخاصة المعطاة للمجلس هي لتمكينه من القيام بهذه الواجبات.

إن قبول فلسطين دولة تتمتع بعضوية كاملة في الأمم المتحدة سيدفع عملية التسوية السلمية في المنطقة إلى الأمام، وسيعزِّز مكانة هذه المنظمة وسيساهم في إحقاق العدل في العالم، وقد يخفف من حدَّة الانقسامات بين المجتمعات المختلفة، ويُعيد الثقة بالانتظام الدولي، بعدما تعرَّض هذا الانتظام لتجاوزات لم يحصل مثلها حتى إبّان مرحلة الثنائية القطبية. 

إعلان دولة فلسطين العضو 194 في الأمم المتحدة؛ سيشكل نصراً للحق وللسلام في العالم.