كمال جنبلاط الشاعر... الموتُ المستحيل

بسام ضو |

كمال جنبلاط ضميرٌ عامٌ في حياةِ الإنسانيّة. حياته السياسيّة منذ عام 1943(عند دخوله البرلمان) حتى استشهادِه (16/3/1977) انكشفت للملأ، لكنَّ حياتَه الروحية غيرَ المنفصلةِ عن مسيرهِ السياسيّ، قلّما جرى التنبّهُ إليها إلّا لدى قليلين كانوا يُدركون أن خلفَ بساطةِ كلماتِهِ أعماقاً بعيدةَ الأغوار، وآفاقاً لا تكفيها الأبصار، بل تحتاجُ إلى بصائرَ قادرةٍ على التجوالِ في رحابِ وعيه الكوني، وفرحِه الوجودي، وحرّيته التي هي كينونتُهُ وذاتُهُ التوّاقةُ في كلِّ لحظةٍ إلى الاتحادِ بالمطلق، وإن بدَتْ للرّائي منهمكةً في القيادة والسياسة، فالأصلُ عندهُ هو الربطُ بين الروح والعمل في صيرورة العطاء،فلا يصدرُ عنه موقفٌ أو مسلكٌ إلا انطلاقاً من أعماق روحه.

حياتهُ الروحية لم تكنْ صلاةً في الظاهر، بل هي صلاةٌ كينونيّةٌ دائمةٌ في الداخل، ولطالما كانت تظهرُ منه الإشاراتُ إلى معاناتِهِ من الانخراطِ القويّ الفاعل في الحياة السياسيّة، فلا يجدُ الوقت الكافي للتعبيرِ عن وجدانِه ووجوده الروحيّيْن اللذين يتألّمان مما كان يواجهه في السياسة اللبنانية، من كذبٍ ورياءٍ وفسادٍ، وممّا كان يبرزُ في دربِهِ من عقباتٍ بسبب الأفكار والمسالكِ الطائفيّة والتسلُّطيّة وهو القائد الإنساني الذي يريد بناءَ وطنٍ حقيقي، تتجلّى فيه جدليّةُ الأرضِ والإنسان. وربّما لولا تواضعُهُ الجمُّ لكان قد قالً: أنا لستُ من هذهِ الجمهوريّة.

جمهوريةُ كمال جنبلاط الوطنية الإنسانية، اغتالها الرجعيّون مرّاتٍ عديدة، في لبنان والعالم العربي قبل اغتيالِه،ثمَّ أجهزوا عليها يوم اغتالوه،وأرادوا له موتاً، وهو الذي لا يرى الموت نهايةً بل انتقالاً من حالٍ إلى حالٍ ضمن صيرورة الحياة، مثلما كان يرى أنَّ قوّة الحياة فيه، لا يمتلكون مواجهتها إلّا بِوَهْمِ  افتعال الموت. وهو قد توقّع ذلك، فأكّد استحالة موتِ ذاتِه، واستحالة الموت مطلقاً، ونظرَ إلى هذا الوهْمِ بـِ "لا مبالاة"، فكتب قبل استشهادهِ بأربعِ سنواتٍ وستةِ أشهرٍ وتسعةِ أيّام قصيدتَهُ الشهيرة: الموت المستحيل (في 25/10/1972) ونشرَها في ديوانه: "فرح" (أصدرَه عام 1973عن مؤسسةِ نوفل، وكتب مقدّمته صديقُه الأديب الكبير ميخائيل نعيمة).

يقول كمال جنبلاط في تلك القصيدةِ- النبوءة، أو القصيدةِ-الحدْس[قصيدة من سبعة أبيات] ما يأتي:

"أموتُ، ولا أموتُ، فلا أُبالي،

فهذا العمرُ من نسجِ الخيالِ

هيَ الأيّامُ تجري في دِمانا

أمِ الحقُّ المكَوِّنُ ألفَ حالِ!؟"

هذا هو حدسُهُ، وهذهِ هي رؤياهُ،ففي تلك الأيام من العام 1972ثمَّ عند إعلان هذه الرؤيا بإصدار الديوان[فرح] عام 1973 كانت روح كمال جنبلاط ، ووعيهُ الوجودي الشامل، يتصدّيان لمَجرياتِ الواقع السياسي التاريخي، فأعداءُ إنسانيّتِه ووطنيّتِه وعروبتِه الحضاريّة، خطّطوا لمعاقبتِه بالموت عندما عجِزوا عن مواجهتِه بالحقِّ وبالموقف؛ فكان أن أوضح لهم أنّه لا يُبالي بالموت، ولا يخافُ منه، وأنَّ الأيّامَ عنده تجري في دمائِه، وأنَّ إيمانَهُ بالحقِّ هو الأصلُ والميعاد.

لم يكنْ هذا الموقفُ مجرّدَ شطحةٍ صوفيّة أو عرفانيّة تأمليّة. كثيرونَ من الصوفيّين والمتعبّدين قالوا ذلك في صوامعِهم، وهم في حالة زهدٍ وابتعادٍ عن مواجهات الحياة، لكنَّ أهميّة ما قاله كمال جنبلاط هو أنه فعلٌ وقولٌ متلازمانِ جدليّاً، ونابعانِ من قلب المعترك والصراع؛ ففي تلك الآونة من سبعينياتِ القرن العشرين، كان كمال جنبلاط أبرزَ قائد شعبي تقدّمي عربيّ، يخوض الصراع دفاعاً عن حقِّ اللبنانيين في أن يكون لهم وطنٌ حقيقي لا "دكانٌ مفتوح على البحر" [وفقاً لتعبيره]، ودولةٌ مدنية متحررة من قيود الطائفيّة، وحديثةٌ تواكب العلم والتطوّر المعرفي بحسب ما كتب هو نفسه مع العلّامة عبد الله العلايلي في ميثاق الحزب التقدمي الاشتراكي. كما كان كمال جنبلاط يخوض دفاعاً شرساً عن الثورة الفلسطينيّة، ويقف ضد مشاريع الاستبداد والوصاية والمصادرة المقنّعة بالشعارات القوميّة حيناً- بالرغم من جماليّتها- وحيناً آخر مقنّعة بما كان يُسمّى ظروف المرحلة فيما هي في الحقيقة ظروف مصالح الأنظمة الاستبداديّة.

أمامَ هذه المواجهات، تتجلّى فاعليّة كلام كمال جنبلاط ، فعبارتُه عن لا مبالاته بالموت، تحملُ في أحدِ وجوهها نزعةً صوفيّة، لكنها متقاطعة جدليّاً مع نزعة "التحدي الكبير"، على حدِّ تعبير صديقي الصحافي نبيل حـاوي [المعروف باسم نبيل هادي] والمواجهة الشريفة، بما يمكن وصفُه فلسفيّاً بأنّه نقطةُ التقاء حركة الوعي بحركة التاريخ لدى كمال جنبلاط.

نقطةُ الالتقاء هذه، تظهر في القصائدِ التسعِ والعشرين في الديوان، وفي الفصل المعنون بـِ:" توجّهات"، وفي مقالته في آخر الديوان بعنوان: "أفضل الشعر" حيث تبرزُ حقيقة الوعي والتاريخ، فيقول كمال جنبلاط " الشعرُ، أفضلُ الشعرِ، هو الذي يلقي نوراً على كينونة الحياة، أي على الحقيقة والجمال." ومن هنا يتبدّى لنا المعلّم الشهيد بجلاءِ روحِه في شعرِه، فإذا قرأنا قصيدته" الصراط المستقيم" التي كتبـها في صـومعـته في عـرزال "الشاوي" قرب بيته في بريّةِ بلدتِه "المختارة"، نكتشف ذلك المناخَ الرائعَ في سلوكيّة كمال جنبلاط التي لا تفصل بين السياسةِ والأخلاق، وبين الوعي والحريّة، وبين الحقِّ والجمال. ونكاد نقول إن كمال جنبلاط -القائد يتحرّك في الواقع الموضوعي السياسي- التاريخي منطلقاً من واقعه الروحي ، ولهذا فإنَّ شعره يدلُّ على سياسته، وسياسته تحملُ قيمَ شعره.

ويبقى أن نشير إلى حقيقةٍ تاريخية، وهي أن كمال جنبلاط هو بين النادرين من القادة السياسيين في العالم الذين جمعوا بين الثقافة والسياسة، وتمكّنوا في وقتٍ واحد، من مواجهة المهمّات العملية التي تقتضيها القيادة، ومن التأليف الفكري والأدبي، فترك إرثاً سياسياً وثقافياً لا يموت، وهذا الإرث هو خير تعبير واقعي عن قصيدته: "الموت المستحيل".

*عضو قيادي في الحزب التقدمي الاشتراكي وعضو اتحاد الكتاب في لبنان